قراءة في مجموعة الشاعرة المصرية فاطمة ناعوت "فوق كف امرأة"
تُراهن الشاعرة المصرية فاطمة ناعوت على أن يكون للنص الشعريِّ تغايرٌ ليتعدَّى مستوى الجدة في المعاني، والطرافة في التراكيب، والجمال في الألفاظ إلى خلق الدهشة أو المفاجأة لدى القارئ من خلال النظر المغاير للأشياء فيتبدَّى المألوفُ منها غيرَ مألوفٍ، وغيرُ المألوف مألوفاً.
وهي مولعةٌ أشدَّ الولعِ بخلقِ علاقات غريبة أو متناقضة بين الأشياء، أو هكذا تبدو لأول وهلة، وكأنها تريد بذلك إبعاد القصيدة عن تراخيها وتكاسلها، لتتماشى مع واقعٍ جديدٍ حُفَّ بتناقضاتٍ لا سبيل إلى تجاوزها وعدم النظر فيها، وضجَّ بإيقاعات متسارعة لابدَّ من الاستجابة لها في مسيرة حياتنا، ومن هذا وذاك أصبح لهذه الحياة الجديدة تراكمات عظيمة على مستوى الإنجاز المعرفي والنشاط الإنساني يجدرُ بالشعر أنْ يأخذ منها بطرف.
ففي مجموعتها "فوق كف امرأة" تسعى إلى خلقِ معادلات متوازنة بين أشياء يصعب الجمع بينها، ومعادلات غير متوازنة بين أشياء معدودة وكأنها على توازن تام من ناحية، وخلقِ تفسير جديد لبعض ما كففنا النظر إلى إيجاد تفسير له من ناحية ثانية، وخلق تفسير مغاير لما هو معهود من ناحية ثالثة. ولكي تفعل ذلك بحرية مطلقة تستدعي أسلوباً خاصاً يُتيح لها تلك الحرية، وهو أسلوب التداعي الذي تحاولُ أن تشحن من خلاله ألواناً مختلفةً من تلك الأشياء، ومن هنا نتلمسُ ملامح من صور الدهشة، وللدهشةِ أكثر من صورة واحدة في مَعملها.
إنَّ هذا النوع من الخلق جعلَ أغلب نصوصها معقَّد التركيب، متعدد الدلالات، صعب المراس، بعيد الغور، فإذا أخذنا بالنظر ما تنطوي عليه نفس الشاعرة من آلامٍ وأوهامٍ وكوابيس وكيفيات متساوقة حيناً ومتناقضة أحياناً فإنَّ الطريق إلى أعماق مضامين قصائدها سيكون محفوفاً بالمَكارِه، ويحتاج إلى حفريات عميقة للوصول إلى مراميها.
ومن زاويةٍ أخرى نجد فاطمة ناعوت تهتمُّ باقتناص اللحظة الخاطفة، أو اللمحة المدهشة، أو الدفقة المفاجئة، غير أنَّ قصائدها، في الأعمِّ الأغلب، تتَّشحُ بالموضوع المُتقَن المدروس سلفاً، ولا أعني هنا أنه مُفتَعَل، بل أعني أنه يخرجُ من دواخل الشاعرة وهو مُثقَل ببعض ما تراكَمَ في ذهنها سابقاً من ثقافات وتجارب ومهارات ذهنية وتأمُّلات عميقة، لتحيله إلى أداةٍ طيِّعةٍ بين يديها تشحن القصيدة من خلاله بخبراتها المكتسَبة، ومعلوماتها في المجالات المختلفة وأفكارِها ومواقفِها، فتنتقلُ به من مقامٍ ذي مغزىً عميق إلى مقامٍ آخر مختلفٍ غير أنه مُثرٍ وفعَّال من أجل تكثيف النصِّ الشعري وإغنائه، للتعبير عن مواقفها من قضايا الحياة المختلفة على طريقتها.
ففي قصيدتها "ثقوب تشكيلية لا تُغضب امرأة" يجد القارئ هذه المقامات:
1- الثقوبُ في ثوبي
ليستْ لضيقِ ذات اليد
ولا لتقاعس المربية عن الرتقِ مساءً
أمام التلفزيون.
2- ثمة خلل في الأمر
فالرجال خبثاء بطبعهم
-والنساء كذلك-
لكن المرآة تعاقبني وحدي بالتكشير،
لهذا
تمتلئ البالونات بالهليوم
كيلا يربط الربجماتيون
بين الصعودِ والكذب.
3- رفعتُ يدي في المحاضرة:
- لماذا سُمِّيت درجة السلَّم الأخيرة:
"الدرجة الكاذبة"؟
أجاب حسن فتحي:
- لأنها تفصلُ بين طابقين،
وفي المراجع:
- الدرجة كاذبةٌ
- ما دامت قائمتها = صفراً، بدلاً من 15 سم.
4- أنا ذكية لا شك
أتعلَّمُ من التاريخ
فالحلاجُ:
يظهر حتى الآن في بغداد
أعطاهم الصليبَ
وضربَ عصفورين بحجر.
المسيح أيضاً.
لذلك ترفض "كاثي" فكرة "شُبَّه لهم"
كي لا يبدو الأمر كذبة.
5- غاندي:
كان يضعُ العلكةَ تحت لسانه، ويأكلُ عند الفجر.
6- أما مُسيلمةْ
فرفضَ الذهابَ إلى الحلاق،
فراراً من عقاب المرايا.
7- الشعرُ
ثقوبٌ في الكلام.
يفعلها النشَّالُ عادةً
يقرصُ الهدفَ في ذراعه
فينامُ خيطُ العصبِ في الجيبْ
وتبدأ اللعبة.
8- أما الثقوبُ في ثوبي
-سيما في الأماكن المدروسة تشريحياً-
فسوف تُلهي الراصدَ
عن قراءة ما في رأسي من الأفكارْ.
…….
الطيبةِ طبعاً. ص7
فقد اتخذت الشاعرة من فكرة الثقوب التي في ثوبها، وهي فكرة مفتَعَلة تُفضي إلى العبثية للوهلة الأولى، سبيلاً لتداعي أفكارٍ أخرى تبدو في ظاهرها خالية العلاقة بالفكرة الأم، وهذه الأفكار تقوم على عنصر المفارقة، فالفكرة الأولى التالية تستمدُّ فحواها من خُبث الرجال في النظر إلى جسد المرأة وخبث المرأة في الكشف عن أجزاء من جسدها، وذلك من مكنونات النزعة الحسيَّة لدى الإنسان، يقابل ذلك ما يدعيه البرجماتيون من علاقة جدلية بين الصعود والكذب، وفي ذلك نزعة فلسفية إلى إيجاد علاقة بين الأشياء غير المتناظرة أو التي تبدو هكذا، وفي الفكرة الثانية يتجلَّى الفرقُ بين المنطق العلمي والمنطق الظنّي، وفيها نزوع إلى الجدل العقلي، وفي الفكرة الثالثة ظهور الحلاج وظهور المسيح الآن، وفيها تعريج على المعتقد، وفي الخامسة غاندي وطعامه، وفيها مغايرة للعادة وتدليس للحقيقة، وفي السادسة مُسيلمة الكذاب وشكله في المرايا، وفيها محاكمة تاريخية، وفي السابعة الشعر والجيوب المثقوبة لغرض النشل، وفيها محاكمة للشعر على نحوٍ مخصوص، وفي الثامنة تعود الشاعرة المُفتَعَل عن الثقوب في ثوبها، وفي حديثها هذا محاكمة للإنسان في لحظة مكرٍ وتخابث، وهكذا جاءت القصيدة محمولةً في سلةٍ مختلفةِ الغِلال.
إنَّ هذه الأفكار توحي أخيراً –كما ينبغي- بموضوع القصيدة الذي هو الخلل المستمر في حياتنا في المجالات المختلفة من خلال الثقوب التي تشكل الخيط الذي يربط بينها، وقد تداعت هذه الأفكار لتعضد اعتقادها بأنَّ ثمةَ نظرةً مُغايرةً يجب أنْ نمتلكها للنظر في هذه الأشياء على اختلافها البيِّن، أو لإعادة النظر في كلِّ الأشياء مِن حولنا. وهكذا تفعل فاطمة في أغلب القصائد.
أما قصيدتها "نصف نوتة" فهي بانوراما تجمع فيها ألواناً أخرى من الرموز والقضايا الدالة على ثقافاتٍ ومنجزاتٍ حضارية تنتمي إلى أزمنةٍ وأمكنةٍ مختلفة تتضافرُ جميعاً لتشكِّل المشهد النهائي الكبير الذي تُخرجهُ بطريقتها الخاصة المعقدَّة. تقول في مقدمة القصيدة:
رتَّبا المساءْ،
بعدما أغلقا النافذةَ
على الصواريخِ ذات الرؤوسِ،
وأقدام الماريـنـز تتقدَّمُ صوبَ دجلةَ،
أغمضا عن عيونِ الثكلاواتِ
لأنَّ الخنساءَ
لم تقرأ "سوزان برنار"،
ولأنَّ آذارَ
وقتُ الحياةِ لا الموت. ص105
فإذْ تشير إلى عنصر الخيال وأثره في إزاحة الواقع من خلال ذكرها للشاعر في هذا المقطع، فإنها تتسللُ منه إلى ما يحدثُ في بغداد من احتلالٍ من لدن أمريكا ليستحيلَ الخيالُ إلى واقعٍ مرير غير معقولٍ كاستحالة أن تقرأ الخنساء الشاعرة الجاهلية لسوزان برنار المغرقة في الحداثة والمنظِّرة لقصيدة النثر، فوقَ ما بينهما من تاريخ مقلوب يدلُّ على العبثية وقلب الحقائق ومغايرة المنطق بالشكل الذي تريد الشاعرة إظهاره هنا:
وذلك كله يتعاضدُ ومقارنة صلاح عبد الصبور للفئران بنا نحن…نحن الذين نشجب ونندِّدُ ونستشعر الخطر ثم نقبل بالأمر الذي لم يكن واقعاً قبل أن نقبله، ولتكون معركة التحرير احتلالاً (!)، في المقطع التالي:
ثم إنَّا مَن نشجبُ القراراتِ ونُندِّدُ بخرقِ معاهدةِ جنيف،
عدا حدسنا في استشعار الخطرْ
حسبَ "عبد الصبور"
حين قارنَ بين الفئرانِ
وبيننا. ص106
وتُحيلُ في مقطعٍ تالٍ آخر إلى رموزٍ تاريخية ودينية تجعلها شاهدةً على ما كان يجب أن يحدثُ من خوارق في حالة تَحقُّق جواب إنْ الشرطية مثل انشقاق البحر عن الحوت، ومجيء مريم والأحبار وجلجامش والخضر وعشتار ومملكة النمل بركب الملك سليمان، حتى تصل إلى قناديل فيروز وترميزات النفّريّ الصوفية في تجريده وتوحيده و"وقفته" التي يقرِّر فيها الجهل بعد تمام العِلم، وإيقاعات إبراهيم ناجي على بحر الرمل في وقوفه على "الأطلال"، واعتذار أبي نواس عن المجيء إليها(!)، لأنه –طبعاً- كان يستهزئ بالوقوف عليها كسابقِيه:
بائعُ القناديلِ وفيروزْ
تورَّطا في الأمر سريعاً،
فتحدَّثَ النفَّريُّ
عن اتساع الرؤيةِ وضيق التنفُّس،
بينما استسلمَ ناجي للرمَلِ،
وأطلالِ الموصلِ وقسوةِ الحبيبةِ
واعتذرَ "أبو نواس" عن المجيء. ص109
ثم تختتم هذا المشهد الكبير الذي تَتخلَّلُه مشاهد قصيرة وتداعيات طارئة بالموسيقار العراقي "نصير شمّة" الذي نقصتْ موسيقاه عن المقام لتكون لحناً للصوت المنكسر في بغداد حيث بداية القصيدة لتكتمل دورتها:
وحده "نصير شمّة"
مَن أفسدَ الخطَّة،
إذْ اعترضَ على اختيار هذا المساءِ تحديداً
فحذف نصف النوتةِ
ردَّاً
























