حفريات فوق كف امرأة

كتبها د.مقداد رحيم ، في 2 فبراير 2007 الساعة: 17:46 م

 

قراءة في مجموعة الشاعرة المصرية فاطمة ناعوت "فوق كف امرأة"

 

 

            

   تُراهن الشاعرة المصرية فاطمة ناعوت على أن يكون للنص الشعريِّ تغايرٌ ليتعدَّى مستوى الجدة في المعاني، والطرافة في التراكيب، والجمال في الألفاظ إلى خلق الدهشة أو المفاجأة لدى القارئ من خلال النظر المغاير للأشياء فيتبدَّى المألوفُ منها غيرَ مألوفٍ، وغيرُ المألوف مألوفاً.

    وهي مولعةٌ أشدَّ الولعِ بخلقِ علاقات غريبة أو متناقضة بين الأشياء، أو هكذا تبدو لأول وهلة، وكأنها تريد بذلك إبعاد القصيدة عن تراخيها وتكاسلها، لتتماشى مع واقعٍ جديدٍ حُفَّ بتناقضاتٍ لا سبيل إلى تجاوزها وعدم النظر فيها، وضجَّ بإيقاعات متسارعة لابدَّ من الاستجابة لها في مسيرة حياتنا، ومن هذا وذاك أصبح لهذه الحياة الجديدة تراكمات عظيمة على مستوى الإنجاز المعرفي والنشاط الإنساني يجدرُ بالشعر أنْ يأخذ منها بطرف.

   ففي مجموعتها "فوق كف امرأة" تسعى إلى خلقِ معادلات متوازنة بين أشياء يصعب الجمع بينها، ومعادلات غير متوازنة بين أشياء معدودة وكأنها على توازن تام من ناحية، وخلقِ تفسير جديد لبعض ما كففنا النظر إلى إيجاد تفسير له من ناحية ثانية، وخلق تفسير مغاير لما هو معهود من ناحية ثالثة. ولكي تفعل ذلك بحرية مطلقة تستدعي أسلوباً خاصاً يُتيح لها تلك الحرية، وهو أسلوب التداعي الذي تحاولُ أن تشحن من خلاله ألواناً مختلفةً من تلك الأشياء، ومن هنا نتلمسُ ملامح من صور الدهشة، وللدهشةِ أكثر من صورة واحدة في مَعملها.

  إنَّ هذا النوع من الخلق جعلَ أغلب نصوصها معقَّد التركيب، متعدد الدلالات، صعب المراس، بعيد الغور، فإذا أخذنا بالنظر ما تنطوي عليه نفس الشاعرة من آلامٍ وأوهامٍ وكوابيس وكيفيات متساوقة حيناً ومتناقضة أحياناً فإنَّ الطريق إلى أعماق مضامين قصائدها سيكون محفوفاً بالمَكارِه، ويحتاج إلى حفريات عميقة للوصول إلى مراميها.

   ومن زاويةٍ أخرى نجد فاطمة ناعوت تهتمُّ باقتناص اللحظة الخاطفة، أو اللمحة المدهشة، أو الدفقة المفاجئة، غير أنَّ قصائدها، في الأعمِّ الأغلب، تتَّشحُ بالموضوع المُتقَن المدروس سلفاً، ولا أعني هنا أنه مُفتَعَل، بل أعني أنه يخرجُ من دواخل الشاعرة وهو مُثقَل ببعض ما تراكَمَ في ذهنها سابقاً من ثقافات وتجارب ومهارات ذهنية وتأمُّلات عميقة، لتحيله إلى أداةٍ طيِّعةٍ بين يديها تشحن القصيدة من خلاله بخبراتها المكتسَبة، ومعلوماتها في المجالات المختلفة وأفكارِها ومواقفِها، فتنتقلُ به من مقامٍ ذي مغزىً عميق إلى مقامٍ آخر مختلفٍ غير أنه مُثرٍ وفعَّال من أجل تكثيف النصِّ الشعري وإغنائه، للتعبير عن مواقفها من قضايا الحياة المختلفة على طريقتها.

  ففي قصيدتها "ثقوب تشكيلية لا تُغضب امرأة" يجد القارئ هذه المقامات:

1-             الثقوبُ في ثوبي

ليستْ لضيقِ ذات اليد

ولا لتقاعس المربية عن الرتقِ مساءً

أمام التلفزيون.

2-             ثمة خلل في الأمر

فالرجال خبثاء بطبعهم

-والنساء كذلك-

لكن المرآة تعاقبني وحدي بالتكشير،

لهذا

تمتلئ البالونات بالهليوم

كيلا يربط الربجماتيون

بين الصعودِ والكذب.

3-             رفعتُ يدي في المحاضرة:

-       لماذا سُمِّيت درجة السلَّم الأخيرة:

"الدرجة الكاذبة"؟

أجاب حسن فتحي:

-       لأنها تفصلُ بين طابقين،

وفي المراجع:

-       الدرجة كاذبةٌ

-       ما دامت قائمتها = صفراً، بدلاً من 15 سم.

4-             أنا ذكية لا شك

أتعلَّمُ من التاريخ

فالحلاجُ:

يظهر حتى الآن في بغداد

أعطاهم الصليبَ

وضربَ عصفورين بحجر.

المسيح أيضاً.

لذلك ترفض "كاثي" فكرة "شُبَّه لهم"

كي لا يبدو الأمر كذبة.

5-             غاندي:

كان يضعُ العلكةَ تحت لسانه، ويأكلُ عند الفجر.

6-             أما مُسيلمةْ

فرفضَ الذهابَ إلى الحلاق،

فراراً من عقاب المرايا.

7-             الشعرُ

ثقوبٌ في الكلام.

يفعلها النشَّالُ عادةً

يقرصُ الهدفَ في ذراعه

فينامُ خيطُ العصبِ في الجيبْ

وتبدأ اللعبة.

8-             أما الثقوبُ في ثوبي

-سيما في الأماكن المدروسة تشريحياً-

فسوف تُلهي الراصدَ

عن قراءة ما في رأسي من الأفكارْ.

…….

الطيبةِ طبعاً. ص7

    فقد اتخذت الشاعرة من فكرة الثقوب التي في ثوبها، وهي فكرة مفتَعَلة تُفضي إلى العبثية للوهلة الأولى، سبيلاً لتداعي أفكارٍ أخرى تبدو في ظاهرها خالية العلاقة بالفكرة الأم، وهذه الأفكار تقوم على عنصر المفارقة، فالفكرة الأولى التالية تستمدُّ فحواها من خُبث الرجال في النظر إلى جسد المرأة وخبث المرأة في الكشف عن أجزاء من جسدها، وذلك من مكنونات النزعة الحسيَّة لدى الإنسان، يقابل ذلك ما يدعيه البرجماتيون من علاقة جدلية بين الصعود والكذب، وفي ذلك نزعة فلسفية إلى إيجاد علاقة بين الأشياء غير المتناظرة أو التي تبدو هكذا، وفي الفكرة الثانية يتجلَّى الفرقُ بين المنطق العلمي والمنطق الظنّي، وفيها نزوع إلى الجدل العقلي، وفي الفكرة الثالثة ظهور الحلاج وظهور المسيح الآن، وفيها تعريج على المعتقد، وفي الخامسة غاندي وطعامه، وفيها مغايرة للعادة وتدليس للحقيقة، وفي السادسة مُسيلمة الكذاب وشكله في المرايا، وفيها محاكمة تاريخية، وفي السابعة الشعر والجيوب المثقوبة لغرض النشل، وفيها محاكمة للشعر على نحوٍ مخصوص، وفي الثامنة تعود الشاعرة المُفتَعَل عن الثقوب في ثوبها، وفي حديثها هذا محاكمة للإنسان في لحظة مكرٍ وتخابث، وهكذا جاءت القصيدة محمولةً في سلةٍ مختلفةِ الغِلال.

   إنَّ هذه الأفكار توحي أخيراً –كما ينبغي- بموضوع القصيدة الذي هو الخلل المستمر في حياتنا في المجالات المختلفة من خلال الثقوب التي تشكل الخيط الذي يربط بينها، وقد تداعت هذه الأفكار لتعضد اعتقادها بأنَّ ثمةَ نظرةً مُغايرةً يجب أنْ نمتلكها للنظر في هذه الأشياء على اختلافها البيِّن، أو لإعادة النظر في كلِّ الأشياء مِن حولنا. وهكذا تفعل فاطمة في أغلب القصائد.

   أما قصيدتها "نصف نوتة" فهي بانوراما تجمع فيها ألواناً أخرى من الرموز والقضايا الدالة على ثقافاتٍ ومنجزاتٍ حضارية تنتمي إلى أزمنةٍ وأمكنةٍ مختلفة تتضافرُ جميعاً لتشكِّل المشهد النهائي الكبير الذي تُخرجهُ بطريقتها الخاصة المعقدَّة. تقول في مقدمة القصيدة:

رتَّبا المساءْ،

بعدما أغلقا النافذةَ

على الصواريخِ ذات الرؤوسِ،

وأقدام الماريـنـز  تتقدَّمُ صوبَ دجلةَ،

أغمضا عن عيونِ الثكلاواتِ

لأنَّ الخنساءَ

لم تقرأ "سوزان برنار"،

ولأنَّ آذارَ

وقتُ الحياةِ لا الموت. ص105

 

   فإذْ تشير إلى عنصر الخيال وأثره في إزاحة الواقع من خلال ذكرها للشاعر في هذا المقطع، فإنها تتسللُ منه إلى ما يحدثُ في بغداد من احتلالٍ من لدن أمريكا ليستحيلَ الخيالُ إلى واقعٍ مرير غير معقولٍ كاستحالة أن تقرأ الخنساء الشاعرة الجاهلية لسوزان برنار المغرقة في الحداثة والمنظِّرة لقصيدة النثر، فوقَ ما بينهما من تاريخ مقلوب يدلُّ على العبثية وقلب الحقائق ومغايرة المنطق بالشكل الذي تريد الشاعرة إظهاره هنا:

 

  وذلك كله يتعاضدُ ومقارنة صلاح عبد الصبور للفئران بنا نحن…نحن الذين نشجب ونندِّدُ ونستشعر الخطر ثم نقبل بالأمر الذي لم يكن واقعاً قبل أن نقبله، ولتكون معركة التحرير احتلالاً (!)، في المقطع التالي:

ثم إنَّا مَن نشجبُ القراراتِ ونُندِّدُ بخرقِ معاهدةِ جنيف،

عدا حدسنا في استشعار الخطرْ

حسبَ "عبد الصبور"

حين قارنَ بين الفئرانِ

وبيننا. ص106

    وتُحيلُ في مقطعٍ تالٍ آخر إلى رموزٍ تاريخية ودينية تجعلها شاهدةً على ما كان يجب أن يحدثُ من خوارق في حالة تَحقُّق جواب إنْ الشرطية مثل انشقاق البحر عن الحوت، ومجيء مريم والأحبار وجلجامش والخضر وعشتار ومملكة النمل بركب الملك سليمان، حتى تصل إلى قناديل فيروز وترميزات النفّريّ الصوفية في تجريده وتوحيده و"وقفته" التي يقرِّر فيها الجهل بعد تمام العِلم، وإيقاعات إبراهيم ناجي على بحر الرمل في وقوفه على "الأطلال"، واعتذار أبي نواس عن المجيء إليها(!)، لأنه –طبعاً- كان يستهزئ بالوقوف عليها كسابقِيه:

بائعُ القناديلِ وفيروزْ

تورَّطا في الأمر سريعاً،

فتحدَّثَ النفَّريُّ

عن اتساع الرؤيةِ وضيق التنفُّس،

بينما استسلمَ ناجي للرمَلِ،

وأطلالِ الموصلِ وقسوةِ الحبيبةِ

واعتذرَ "أبو نواس" عن المجيء. ص109

ثم تختتم هذا المشهد الكبير الذي تَتخلَّلُه مشاهد قصيرة وتداعيات طارئة بالموسيقار العراقي "نصير شمّة" الذي نقصتْ موسيقاه عن المقام لتكون لحناً للصوت المنكسر في بغداد حيث بداية القصيدة لتكتمل دورتها:

وحده "نصير شمّة"

مَن أفسدَ الخطَّة،

إذْ اعترضَ على اختيار هذا المساءِ تحديداً

فحذف نصف النوتةِ

ردَّاً

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قراءة في قصيدة

كتبها د.مقداد رحيم ، في 25 يناير 2007 الساعة: 21:06 م

هارون الرشيد في بغداد

للشاعر السعودي عبد العزيز بخيت

 

 

                      

 

    يستحضر الشاعر عبد العزيز بخيت الخليفة العباسي هارون الرشيد، ويسمِّي إحدى قصائده باسمه، ليستخدمه رمزاً ثرياً بالمعاني التي يمكن لشاعرٍ مثقف أن يوظِّفها في نصٍّ شعري حديث.

   وقد رأى الشاعر أن هارون الرشيد بما يحملُ عصرُهُ من دلالات تحضُّرٍ وتقدُّمٍ وسعةٍ في العيش ومفردات الحياة، جعلت الغربيين قبل العرب يضعون الكتب والموسوعات، لتبيان وجوه ذلك كله، يصلحُ لأنْ يكونَ باباً يلجُ منهُ إلى موضوعه.

   ولم يكتفِ عبد العزيز بخيت بمجرد الإشارة، أو التلويح، أو التنصيص، بل استصحبَ الخليفة العباسي في منامه، ليجعله شاهداً على هذا العصر الحديث، غير أنَّ منامه لم يسفر إلاَّ عن كابوسٍ فظيع، ولهذا السبب نجد الشاعر يُحسن استخدام تقنية السرد القصصي التي يحتاجها الراوي صاحب الرؤيا، فيلجأ إلى استخدام الفعل الماضي في سرد أحداث هذه الرؤيا-الكابوس.

   ويحاول إتقان مفردات هذا السرد في مطلع قصيدته، فيورد ثلاثة أحداث متتالية مباشرة: هي اليقظة على أثر صوتٍ عالٍ لمنادٍ، والتلفُّت لرؤية صاحب الصوت وتيقنهِ، ثم شرب الماء للتخفيف من حدة الارتياع والخوف، وهذا ما يفعله المتيقظ من كابوسٍ على الحقيقة:

العراقَ العراقْ

صاحَ بي

وانتبهتُ

تلفَّتُّ حولي

شربتُ من الماء ما يُبعدُ الخوفَ منهُ

………

   ثم يسترسل في السرد، فيعود لمواصلة النومِ على الجنب الآخر، غير أنه ينامُ على فراشٍ مخصوص… هو ضياع الشرف العربي، فيمتزج لديه المحسوس بالمتخيَّل، ويتواصل الكابوس بأحداثه، حيث يُدركه هارون الرشيد بالعتب والتقريع، والشاعر مازال في حالةٍ من والذهول والاختناق:

وبدَّلتُ جنبي

ونمتُ على نكبة الشرف العربي المراقْ

كان كابوسه شاحباً

جاء يعدو إليَّ

ومدَّ يديه ليمسك بي

فانتبهتُ

وفي نفَسي شهقةٌ

واختناقْ

…….

    ثمَّ يبدأ الشاعر في الإفادة من حضور الخليفة العباسي ليحاكِم من خلاله أمةَ العرب في هذا العصر، وكيف تخاذلت عن حماية شرفها، وترجَّلَ الفارسُ العربي عن صهوته، واتخذ من تجربة العراق وما يحصل فيه على مرأى الأمة ودرايتها مادةً لهذه المحاكمة، ثم يقرِّر حالة السعة في عصره حيث قال مخاطباً أسراب الغيوم "أمطري حيث تمطرين فإليّ يرجعُ ريعك"، فيفيد الشاعر من هذه المقولة ويوظِّفها توظيفاً ذكياً:

قالَ يا للعراقْ

كانت الأمة العربية

في حبوة الغنج

سكرى من الذنب

والفارس العربي مُعاقْ

أمطري حيثُ شئتِ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

غُربة الشاعـر

كتبها د.مقداد رحيم ، في 3 يناير 2007 الساعة: 23:07 م

 

 

قراءة أولى في المجموعة الشعرية

 "خديـجــة"  

للشاعر محمد جبر الحربي

 

                   

 

   لا أحد يُنكر على الشاعر غربته حتى إذا بدا هانئاً مستقراً، وكان له وطن. وليس الشاعر  السعودي محمد جبر الحربي في منأى عن ذلك، ولا هو منه بِمُستـثنَى، فمن يقرأ قصائده في مجموعته الشعرية "خديجة" يكاد يحسُّ بغربةٍ تقتسمُ نفسه ومشاعره تتراوح مستوياتها بحسب تجارب الشاعر وظروفه، أو بواعث الكتابة لديه.

   ومَن يدقِّقُ في غربة الحربي يجدها تتوزع على أمكنة كثيرة مما وطئته قدماه، على الرغم من حبه الشديد لتلك الأمكنة، فالقضية لا علاقة لها بموقف الشاعر الشخصي من المكان وإنما بانحيازه لطلب المثال الذي تـنـزع إليه نفسه وهو يكابده، وبوعيهِ الشديد بالأشياء، وما يُقال عن المكان يُقال عن ساكنيه، أي المجتمعات التي يعاشرها ويشخصُ في أبهائها، ولا تنفكُّ غربتُهُ تطاردهُ وهو مُتـلبِّسٌ بالعِشرة.

     ويبقى الشاعر يلهثُ وراء المثال مهما بلغ المكان والمجتمع من اكتمال الصورة المرئية في عيون الآخرين، ويستخدم ضميره وهو يتحدث عن ذلك المثال ولكنه يعبِّر عن ضمير الجماعة ليؤسِّسَ لِما يجب أنْ تكون عليه تلك الصورة:

بلادٌ أحطتُ بها لم تُحطني

وأهلٌ كما الماءِ في الماءِ

لا دهشةٌ في الغيابِ

ولا دهشةٌ في المآبِِ

ولا دهشتي في التجـنِّي. (ص66)

……

    وتتجلَّى غربة الشاعر هنا في ابتعاد الهوة بينه وبين المكان وساكنيه: الوطن والمجتمع، فسيَّانِ لديهما إذا غاب الشاعر أو حضر، بل حتَّى إذا فعلَ ما يستفزُّ ويبعثُ على الدهشة، إذ يبدو ضائع الأثر، ويُقرِّرُ أنَّ مغادرته طور الطفولة حيث البراءة وقبول الأشياء على علاّتها والفرح بالأمر الواقع هي السبب في كل ذلك:

سأذكرُ ما ليس يُذكرُ

إنِّي افتقدتُ البراءة

حين افتقدتُ التـمنِّي

فقد كانت الأرض

ناعمةً..والطفولة

مجنونة..والليالي

مهادنة كالتأنِّي. (ص67)

……

   وما ذاك إلاَّ ما أشرنا إليه قبلاً من وعي الشاعر بمحيطه بكل في فيه من معطيات.. الوعي الذي أفسد عليه الاستمتاع بقبول هذا المحيط:

وكنّا نغنِّـي..

ولكنما الوعي أفسد بوح الشجيرات للماء

بوح الحقيقة للحق

بوح المدانين بالدين

بوح العصافير صادحةً دونَ مَنِّ.

وماذا يظلُّ؟!

الحقيقةُ..

أم جفوة الرمل؟!

هجس الفجيعة..

أم هجعة المطمئنِّ؟!

يا أيها الوعي

يا أيها الوعيُ

أفسدتَ ذوقَ المغنِّي!. (ص67-68)

……

    ويبدو هذا الوعي مقاوماً لما تريده الأمكنة من الغفلة والقبول بالأمر الواقع، هذه الأمكنة التي لا تقبل من القاطنين إلاَّ أن يكونوا صدى وحَسْب:

تعلمنا البلادُ بصوتها الرسميِّ

أنْ نحيا

لكي نحيا

وأنْ نرضى بما يأتي

كموج البحر ترغمنا بأنْ نبقى

نردِّدُ صوته الأزليّ. (ص96)

……

    وفي مقابل الاستغراق في الشعور بالغربة عن الوطن، وهي حالة غياب للوطن، فإنَّ الشاعر نفسه يستحيل وطناً، فيكون حضوراً، وهذه لمحة تصوفيَّة جليلة نجدها في قوله:

إذا ما غابَ نجمٌ، واختفَى وطنٌ

أنا الآتـي

أنا الآتـي. (ص98)

……..

    ولا يجد الشاعر فرقاً بين غياب الوطن في ذاته، أو غيابه هو في الوطن، فالعذاب واحد والغربة لها المذاق نفسه من المرارة، ولذلك يقول محدثاً نفسه:

يا لهذا الفتى

موغلٌ في المتى

موغلٌ في الغيابْ

ساكنٌ فوقَ حد المدينةِ والمقبرهْ. (ص126)

………

    وعلى الرغم من هذا الوعي الشديد بالواقع والشعور بالغربة عنه لدى الشاعر، فأنه ما زال مسكوناً بطفولته المُهادِنة الراضية بالوقع كم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قـراءة في قصة ليلة فقدت فيها نفسها

كتبها د.مقداد رحيم ، في 18 ديسمبر 2006 الساعة: 17:37 م

ليلة فقدت فيها نفسها

للقاصة انتصار نادر

 

 

-      القصـة

 

ليلة فقدت فيها نفسها

 

… ولأنها شاعرة لا تملك فصيلة سوى الإحساس، عَبَّـرت عن هذا اليوم بدموعها وهي ترى بعينيها الجميلتين ترانيم المغنين وأدخنة البخور ومجون الراقصات، وصوت الدفوف. غطتْ فرحة المدعوين اختفاء بسمتها وأثارت عجبها، وتهادتْ إلى أسماعها تهانٍ أثْرت بها عجز اللسان: "بالرفاء والبنين".
بدا الجميع حولها في بهجة وسرور، وهي لا تشعر بشيءٍ سوى الخوف والرعب، كأنها تريد أن تصرخ …أن ترفض … أن تهرب من هذا الواقع المفروض عليها فرضاً، كلما نظرت لأبيها وعريسها الذي يحدجها كذئب جائع، لا تقوَ ى على أنْ تتغلب على محيطها، وتكتم دموعاً في عينيها تحاول أن تجري.. لا شيء يلفت نظرها سوى حركة التمثال الشمعي القابع أمامها، يبدو وكأنه إلهٌ  للجمال متكامل التقاطيع فاتن العود مشتدّ.. رأته يتلاشى في النار، خُيِّلَ إليها أنه يبكي بُعدَه المكاني عنها لا يقصيه كثيراً عن كونه آلةً للخنق تجثم على صدرها، كانت مشاعرها تزف نفسها إليه كياناً مُدمَّراً معقوفَ الجذع، وفجأة يظهر وجهه في النار فتراه ذئبها الجالس إلى جانبها، تصفُر بين أضلاعها ريح التوجس الذئبية، تئنُّ وتـثور من الداخل وتختنق فيسمع صدى أنّاتها شياطين الأرض لتنتابهم الرهبة.
بينما، وهو يتلاشى، ترى دموع حبيبها في خطوط تلاشيه، وكأنه يبكي تجسُّدَ عذابه، هذا التمثال الشمعي الذي لفت نظرها في ليلة زفافها، حتى تلاشى تماماً وكأنه لم يكن.. أفاقت على صوت الزغاريد التي استحالتْ في أذنيها إلى صوت صراخ، وكأن اليوم هو يوم حدادها.

 

يحتار فيها ذلك المتزين بما راقَ من طيبٍ وملبس، وقد تبدَّى لها كأي قناصٍ  يخرج  باحثاً عن فريسة، وهي فريسته التي لا تقوى على الفرار، فهي موثوقةٌ بوثاقٍ باركته الجن والإنس.

هو ينظر إليها كذئبٍ حبيسٍ قد يؤذي أي كائنٍ يقترب، بينما تقف هي بين يديه كجريح مذعور، لا يعرف العدّو من الصديق.

  أخذ يُسمعها كلمات وعبارات يصف فيها جمالها الباهر، كأنه يقول لها شعراً … تعجبت!!، أيرقُّ خافقُها لـهُ أم هي مخدوعة؟ أيمكن أن يكون بهذه البراءة.. أم إنها براعةٌ في أداء دور البراءة؟.

هُنيهات حتى احتوت مضمون كلماته عن جمالها وجسدها.. إنها كلمات تنطقُ عن شهوته ورغبته، أما هي فقد رأت في وسامته شكلاً آخر،  وهو يخلع ملابسه وينظر إليها نظرات شهوانية تخيلت معها أنه ذلك الذئب، وأخذ يحتضنها ويقبلها بشدة وهي ترد عليه بعبارات ضنىً ودموع تَعاسة.

قيَّدها كالذئب وبكل عنف نضا عنها ثيابها البيض، وأخذ يلتهم جسدها كذئب مسعور.. شهوته كانت بالنسبة إليها مناورة حربٍ باردةٍ تكويها دون سلاحٍ محسوس، بينما يتراءى لها عَدوّاً، وهي تحاولُ أن تزرع جسدها شوكاً أملاً في حماية ما. و تبقى تحت جسده الثقيل جليداً وعيونها جماراً.. نظراتها ثابتة على العكس مِن أفكارها. خيوط المعاناة تنسج شبكاتٍ واهنةً في عينيها، يتبدل لون مقلتيها لتصطبغا بألوان التعاسة وضروب الحقد… أيصير الرجال جميعهم في عينيها سواء؟.
لم تستطع التعبير عمّا يواجهها، كلما تذكرت أن هذه الليلة هي ليلة دخلتها، وأن هذا الرجل مفروض عليها، أحست بأنه ذئب يفترسها ليحولها في لحظات إلى امرأة شابَها دنسٌ عميقٌ تستحيلُ معه إلى ذئبة هي أيضاً.. فقدتْ عذوبتها.. براءتها.. شاعريتها.. دون أن تفقد عذريتها بعد. وهي تقاومه بكل ما أوتيتْ من قوة، تتوسل إليه أن يعفو عنها.. تصرخُ.. تُردد "أكرهك .. أكرهك"، وهو لا يسمع إلا نداء شهوته وهو مطروح على جسد كالحرير الناعم، وفي أحضانه امرأة مِن الحور العِين، أخذت تقاوم وتقاوم وصرامة ملامحها تتناقض مع ضعفها البادي.
أضناها عبء المقاومة لكن ذعراً انتابها، ونفدتْ قدرتها على التحمّل فباتت بلا طاقةٍ.

لا تشعر اتجاهه بأي شعور فتظل  دون حراك. يشغلهُ الكر والفر وهي تغرق في غيبوبة إرهاق.

أخذت مشاهد من الحياة تتراءى في ذاكرتها، في هذا المشهد الوحشي، الذي هو أجمل يوم في حياة فتيات أخريات، ألحَّ على ذاكرتها مشهد توديعها لحبيبها في زمن لا يعترف بالحب، ووالدها يرغمها على الزواج من هذا الرجل الثري لأنه من الطبقة الاجتماعية نفسها، يلقي اللومَ على حبها وعلى شاعريتها، وعندما تصرخ في وجهه تُفاجَأ بصفعةٍ على وجهها، تذرف الدموع وتصاب بالخرس، تمشي ميتةً تحثُّ السير في ذهول، لا تنصت إلى ثورة أبيها، بل تنصت إلى ثورة قلبها، وهو في نظر الجميع كأي أبٍ تُرجَى منه الحماية، ويُنتظَر العطف.. وكأنها من هنا ولدت لتكون خرساء.

رنَّ الهاتف وسمعت صوت حبيبها المرتجف، وهو يتألم بينما مازلت هي مصابة بالخرس، ارتعشت السماعة في يدها وصوت بكائه المبحوح يعزف على أوتار مشاعرها الممزقة، تـئنُّ وتصرخ.. تنهار في أعماقها.. تسرع إلى نافذتها لتتنفس ضوءاً

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قــراءة في مرايا الصلهبي

كتبها د.مقداد رحيم ، في 15 ديسمبر 2006 الساعة: 22:32 م

 

قراءة في قصيدة

 

 

خائنة الشبه

 وقصائد أخرى

للشاعر حسن الصلهبي

من ديوانه خائنة الشبه

القصيدة:


أغوتكَ خائنة الشَّبهْ
ينأى .. أتدركُ أقربهْ؟
تسري .. يذيلكَ السرابُ ،
يُقالُ:إنكَ مشتبهْ.
تتوسدُ الأحلامَ في صحوٍ
وصحوكَ مثلَبةْ
تطوي أساريرَ الكآبةِ ،
والمخاوفُ مرعبةْ.
ومضرجٌ بدماكَ حتى عبرتيك مخضبةْ.
عبثاً شددتَ يدَ المساءِ
تريدُ أن تستقطبهْ.

***

في فيك لحنٌ لم يزل غضاً ،
وأرضُكَ مخصبةْ
يأتيك من نهرِ البياضِ ،
فمن يتوقُ ليشربهْ؟
وعلى جبينكَ بارقٌ يضوي ،
وحولك مندبةْ.
والنجمةُ الخرساءُ في فمها تلوكُ التجربةْ.
أزرى بها عبثُ البدايةِ،
واقتباسُ الأشربةْ.
جاءت لتهديك البَلادةَ
من مآقيها
هبةْ
أتموتُ في كفيك ذاكرةُ الترابِ المجدبةْ؟

***

أوَما سكنتَ إلى الجراحِ
الغائرات المتعبةْ؟
تلهو بكَ الأوجاعُ ،
والأوجاعُ فيك مذوّبةْ
وهصرتَ خاصرةَ السؤالِ ،
فلم تطعك الأجوبةْ.

***

ذوّبْ دماءكَ في القصيدة ،
هل تموتُ معذَّبةْ؟
لملمْ شظاياكَ ،
الرحيلُ إلى المواني المعشبةْ.
أمسكْ تلابيبَ الغيابِ ،
فلن يُبارحك الشَّبهْ.

 

القراءة:

 

المرايا خائنة الشبه

هل هو الشاعر نفسه الذي يمشي على الأرض؟، لا أظن، والذي أعلمه أن الشاعر لا يفعل ذلك، فإذا رأيتَ شاعراً يمشي عليها فلا تظنَّ أنه هو… ربما هو جسمه الذي لا يدل عليه بالضرورة، وربما هو صورة مشوَّهة منه، وربما هو مرآته، ومرآة الشاعر لا تَصدُق. ولكن ما علاقة الشاعر السعودي حسن الصلهـبـي بذلك؟.
يهتمُّ الصلهبي في مجموعته الشعرية "خائنة الشبه" اهتماماً خاصاً بمرآته، ويدور وإياها في صراعٍ مستمر، فلا هي قادرة على أن تقنعه بما تكشف له عنه، ولا هو قادر على التسامح مع ما يراه فيها، ولذلك نراهُ يبحث عن ذاته كلما أجال النظر فيها ولا يجد إلاَّ شخصاً آخر!.
ويَـعدُّ الأطباء النفسانيون هذا ضمن الأمراض ويسمُّونه انفصاماً في الشخصية، وهو كذلك حقَّاً، ولكنه لدى الشاعر المريض مرضٌ إيجابي يحاول من خلاله أن يُعيد تشكيل نفسه بنفسه، فيكون طبيبها في الوقت نفسه، وفي ذلك يتجلَّى وجه من وجوه الإبداع الذي لن يستقيم مع رؤية الأشياء على علاّتها.
ها هو الصلهبي يُطيل النظر في مرآته فلا يرى نفسه، بل يجد البون شاسعاً بين الشاعر وما تحاول المرآة أن توحيه، ويحدِّثُ نفسه وهو مُحاط بالتعجب والدهشة لما بينهما من تباين واختلاف، وبين ما يُحسُّه ويراه:
بقربي يمرُّ السؤال العقيمُ ……… ويُخفي بطيَّاته: مَن أنا؟
أنا أنتَ. كيف عبرنا الفراغَ…… نصبنا بصحرائه موطنا
نسيتُ ملامحَ وجهكَ قبـ……ـلَ أن يصبحَ الضوء أرضاً لنا
تُبالغُ؟ كلاَّ، فمرآةُ وجهي…….. مُخربشةٌ قلَقـاً وعَـنَــا
أحسُّكَ في أضلعي قابعـاً……. ولكـنَّ ميعادنا ما أنـــا
سرقتُكَ من لحظة الانتظارِ……. وأودعتُ فيك بقايا الـمُنـى
ويجذبني بوحُكَ المستفيقُ …….. برغم المسافاتِ ما بـينـنـا
مسافاتُ؟ كيفَ؟ وأنتَ أنا؟….. لأنَّ انـغمارَ الغُـبارِ دنــا
……
وهذا الانفصام عن الذات إنما هو انفصامُ الواقع عمّا يجب أن يكون عليه، فيكون هذا الواقع صورة أخرى مشوَّهة غير مطلوبة، وإذا كان الأمر يبدو ذاتياً غنائياً لدى الشاعر فما هو غير صورة مصغَّرة للواقع الذي يعيشه برمته.
ويعودُ إلى مرآته في وقتٍ آخر وقصيدة أخرى فلا يرى فيها إلا صورة نكراء، ويتملَّى ملامحه فلا يجدها غير ملامح باهتة:
أنكرتني رغم التداني المرايا……. رغم أنفاسها الـ(يُقال) جديدهْ
لا أرى في زجاجها غير خيطٍ….. من دخانٍ، وجملةٍ لا مُـفيدهْ
أتـهجَّـى ملامحي.. تتلاشَى….. في زحامٍ من المرايـا البـليدهْ
…….
وإذا كانت رؤية الشاعر تطبعها السلبية ويلفها النكوص في القصيدتين الماضيتين، وهو ينظر مرآته، فإنَّه في قصيدة "خطامك في ماء" يصل إلى أعلى مستوىً من مستويات التشاؤم والانكسار:
جناجكَ مكسورٌ ودونكَ منحَدَرْ……. وتنظرُ في مرآتكَ الآنَ يا حَجَرْ
أليس من العقلِ الخنوعُ؟ فما هنا…….مكانٌ لغير الريحِ والموتِ والخَوَرْ
وما السرُّ في خلط الشجونِ؟ أنا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قراءة في قصيدة

كتبها د.مقداد رحيم ، في 2 ديسمبر 2006 الساعة: 00:04 ص

 

 

تضيع ُ على جسر الانتظارات

للشاعرة المصرية انتصار نادر

 

 

تضيع على جسر الانتظارات .. مني

وأنا

قلبي قافلة تقف على أعتاب غماماتٍ سقاهن لقاؤك

من يغسل عبرات عيوني من غيهب هجرانك ؟

……

كالفورةِ أقترفُ سؤالك شتاءً دافئاً

لا يكون بارداً ولا راعداً

….

تقول غداً

وغداً تسافرُ كالمساءْ

وأظل وحدي للصقيع وللشتاءْ

أواه كم أخشى رحيلك والغد .

….

لا تدع قوافل الذبول

تزحف صوب قلبي

لأن راحتيّ

تضيقان بأهل الأوار

الدالفين إلى دمي في اشتهاء

وأنت القاطن أوردتي

النازح لدمي

و فصيلتي .

يعلم أورانوس

أنني اصطفيتكَ له

حتى لا يجلجل الصقيع فيه

وأني اكتفيتُ  بإيقاد بعضي

لأدفأ في غيابك .

……

تستخدم الشاعرة انتصار نادر في هذه القصيدة طاقاتها القصوى في لمح المكان وتجسيده، وتتسع رؤيتها للمكان لتشمل أصقاعاً مختلفة ومتباينة ومترامية الأطراف من الأرض والسماء. ويحدوها المنطق فتبدأ بالأرض، وتوظف ملامح من أمكنتها، كالجسر، وتنتقل إلى السماء فتوظف أحد أجرامه، ككوكب أورانوس.

   وإذا كان السكون والحركة مما يتعلق بالمكان مادياً وفلسفياً، فإن انتصاراً حاولتْ تجسيدهما من خلال استعمال ألفاظ الحركة، مثل : (سقى) و (يغسل) و(الفورة) و(لقاء) و (هجران) و(تسافر) و(رحيل) و(قوافل) و(تزحف) و(الدالفين) و(النازح)، وألفاظ السكون مثل: (تقف) و(أظل) و(راحتي) و(القاطن).

ولكن: لماذا كل هذه الحركات والسكنات؟

   إن انتصار نادر أرادت أن ترسم لوحة بالكلمات، تعج بالحركة والأفعال، وهذه الحركة لا تنطلق من فراغ ولا هي عديمة الهدف، بل هي منطلقة من نفسها المتأججة في لحظة من اللحظات، وهذه النفس هي التي كتبت هذا النص دون تدخُّل من الشاعرة، إلا مِن حيث هي معمل لإبداع النص يجمعُ في طياته قدرة الشاعرة على توظيف المعاني واستخدامها، وشاعريتها، وخيالها، ولغتها وأسلوبها، ورؤاها، وأقول دون تدخُّلٍ من الشاعرة، لأنَّ بيانات النص جميعاً تشير إلى حرارة المشاعر وصدق التجربة، فضلاً عن عامل أساسي ومهم، هو العامل النفسي الذي شكَّلَ ملامح هذا النص، حتى ما دقَّ منها.

  إن الحركة التي يلمحها القارئ الناقد في هذا النص هي صدى وثيق الصلة بنفسية الشاعرة، بل هي معادلٌ دقيق لها، فهي متأججة العاطفة، متحفزة الذاكرة الضاربة في أعماق تلك النفسية التي شفَّتْ في ثنايا هذا النص، وأما السكونُ فهو مقياس تلك الحركة.

  وإذا كنا لمحنا تلك الحركة وذلك السكون، وهما مِن مُلازمات المكان كما قلنا، فلابدَّ من أن هناك زماناً يتربَّصُ، لأنَّ المنطق الفلسفي، الذي يبدو أن  الشاعرة تحتفظ بفهمها له في لا وعيها، يُحتِّمُ وجود الزمان حيثُ المكان، لتحقُّق الزمكانية في تمام صورها، ومن هنا تبدو جليةً جدلية الزمان والمكان في هذا النص، وهو مما يشكِّل مَـلْمحاً من ملامح إبداع الشاعرة.

يتفاوت الزمان في هذ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قراءة في قصيدة

كتبها د.مقداد رحيم ، في 25 نوفمبر 2006 الساعة: 21:52 م

" أعيـذك ِ .. أنْ تحـترقي في دفاتري"

للشاعر حمـدان الـحــارثـي

 

 

يقفُ قارئ قصيدة "أُعيذكِ..أن تحترقي في دفاتر عمري" أمامَ شاعرٍ ذي حسًّ مُرهَف، ولغةٍ شفيفةٍ، وخيالٍ ثرّ. وهو إلى ذلك يُقدِّس المرأةَ تقديساً مطلقاً، ولكنه يختزلها في امرأةٍ واحدةٍ عشقَها، وصار يُخاطبُها من خلال هذه القصيدة جاعلاً منها السبب في خوارقَ كثيرةٍ كانتْ في الوجود، أولها خَلْقُ الأرض، وشروق الشمسِ، وليس آخرها نزول الأديان والنبوءات الأولى:
آمنتُ أنَّ البسيطةَ أُنثى
وأنَّ المزامير وقتَ النبوءاتِ كانتْ لها
والشروق الذي رتَّبَ الأَشقياءْ

وهو يشير هنا إلى مزامير داوود وسليمان وآصاف. وهو لا يبتعد عن هذه المعاني الدينية قليلاً حتى يرجعَ فيستخدم كلمة "كفرتُ" وقد كفرَ بغير محبوبته التي يُخاطِب من النساء، و"شِرك" الذي هو ضد الإيمان، ولكنه شِرك بغيرها من النساء وإيمان بها:
إِني كفرتُ بكل النساء
وإِنَّ اشتياقي لغيركِ شِركٌ

ثمَّ يتمثَّل له فارسٌ كأنه وحي الشعر يُقرئهُ كتاباً، أليسَ هو كتاب الحُبِّ؟!
ويسأله هذا الفارسُ ـ الوحيُ أنْ هلْ آمنتَ؟:
آلاااااان آمنتَ؟؟؟!!
بعد اللقاءِ الذي خطَّهُ فارسٌ يحشو وريدي
قصيداً..
فتهفو إليه المرايا
وأخرى كأسطورةِ الغابرين
أما كنتَ تقرأ ذاك الكتابَ سطوراً ؟

ولكنه في الوقتِ نفسهِ أنبأهُ بأنه سوفَ "يُحشَرُ" في العاشقين:
فقال ستُغلَبُ في آخر الكلماتِ من الشوقِ..
تُحشَرُ في العاشقين.
وقد دفعَه احترافُه للعشقِ وهيامه بمحبوبته إلى رسم هذه الصورة التي يبدو فيها مُلهَماً كواحدٍ مِن أَصحاب الرسالات، ولكنَّ رسالته هي العشق، ومثلهم يُوحَى إليه ولكنْ شعراً (!).
ويتابعُ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قراءة في نص

كتبها د.مقداد رحيم ، في 23 نوفمبر 2006 الساعة: 06:22 ص

"مـأزق"

لوفــاء الـعمـير"

عاشقة وَقورة، وثائرة هادئة!.
هكذا بدتْ لي وفاء العمير في "مأزقـ"ـها. ولكنْ كيف ذاك؟.
إنها تحبُّ على غير اعتياد.. فهي مولعةٌ بعمق، محترقة الأوصال، دائمة النجوى لمن تحب، بلْ إِنَّها، لِعظمة ما تجد، تَجعلُ عناصر الطبيعة معادلاً موضوعياً لما بينها وبين مَن تحب، فالحديقة وما فيها من أشعارٍ وأشجار، وأغصان الشجر والمطر والشمس تُشاركها في مأزقها-الحب، فهي لذلك تتََجلَّى بهدوء
.
وقفت الأشعار كلها في الحديقة الخلفية
تحرسك مني
وقفت الأشجار أيضاً
وراحت الأغصان تتسلل من خلال فتحات النوافذ
تقيم حولك حراسة مشددة
لئلا يصل إليك طوفان أحلامي

وتعترف هذه العاشقة أن كل هذه العناصر تعيقها عن التعبير عما يضيق به صدرها، وكأنها قد سخَّرتْها من أجل هذا البوح فلم تقدر، فبدلاً من أن تعينها على المحبوب حرستْهُ وحمتْه منها.. من طوفان أحلامها، فهي لذلك عاشقة ثائرة.
ومحبوبها، بعدُ، يبدو غيرَ آبهٍ وهو يجلس بهدوء يقرأ كتابه على أنغام الموسيقى، أفليس من حق كرامتها ووقارها أنْ تطلب منه الرحيل وأنْ يتخلَّى عنها، ثم أنْ ينساها

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قراءة في نص

كتبها د.مقداد رحيم ، في 23 نوفمبر 2006 الساعة: 06:05 ص

"وضاعت ملامـحي"

لنجلاء مطري

أَجد في هذا النص صورةً جديدة من الصور التي تحاول الكاتبة نجلاء مطري أنْ ترسمها للقارئ.. صورة امرأة قويةٍ حاولتْ الزمنَ الفائتَ أنْ تَحتفظَ بِملامحَ خاصةٍ لها، وأنْ تُحصِّن نفسها من التغيُّرات، ظنَّاً منها أَنْ أيَّ تغييرٍ سيُبعدها عن تلك الحصانة.
ثم يبدأ الصراع بين الصورة المثال هذه، والصورة الواقع.. الصورة المُنزَّهة، والصورة المشوَّهة.. الصورة البريئة والصورة الخبيثة، وهو صراع أزليٌّ بين الخير والشر، حاولت الكاتبة هنا أن تُبسِّطه فتُضفي عليه طابع الفردية والذاتية. وإذا كان الإنسان اجتماعيَّ الطَّبـْـع فكيف يمكنُ له أنْ يرسم ملامحَ لنفسهِ يعيشُ بها بين الناس دونَ أَنْ يُؤثِّرَ ويتأثَّر، ودون أنْ يعيش حالة الإندماج ؟، وهنا يكمنُ أُسُّ القضية، فهل يُمكنُ الحفاظُ على تلك الملامح دون خسارات؟.
نجلاء مطري تقول: لا، بل هناك خسارات، وهي ترفض أنْ تنظر في المرآة فتجد صورتها غير تلك الصورة

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قراءة في نص

كتبها د.مقداد رحيم ، في 23 نوفمبر 2006 الساعة: 05:23 ص

"ومن الشعر ما نـُـثر"

لدينا الشهـوان

 

نص تكتبه أُنثى مهتاجة العواطف.. كيف له أنْ يكون غير بوحٍ شفيفٍ كالندى يتراءى على خدود الورود ؟.
فإذا كان بوحاً كيف له أنْ يكون غير توضيحٍ مرةً وترميزٍ مرةً أخرى؟.
فإذا كان توضيحاً بدا مثل المقاطع: "خوف" و "لون" و "حلم" و "غيمة" و "ماء".
وإذا كان ترميزاً بدا مثل المقاطع: " تعال" و "نور" و "تاريخ".
وفي الترميز يكمن حقُّ الكاتب في الحفاظ على شيءٍ من خصوصيته التي ليس لسواه الحق في رؤيتها كما خلقها الواقع !. كما يكمن فيه ذلك المجال الذي يسبح فيه كل قارئ في رؤياه ومعالجته الخاصة، فيستمتع بصياغة معانٍ لم يقصدها الكاتب، فيشاركه في حقوق الملكية !.
أما التوضيح فلا أصعب منه مَأتى، إذْ يتهافتُ إذا لم يتسامَ على المألوف، ولم تستفز الدهش، وأشهد أنَّ توضيح الكاتبة دينا الشهوان استفزَّهُ في أغلب الأحيان:
ربما تأتي نسمة باردة
تلملم دفئي بين

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

السابق التالي