قراءة في قصيدة
كتبهاد.مقداد رحيم ، في 25 يناير 2007 الساعة: 21:06 م
هارون الرشيد في بغداد
للشاعر السعودي عبد العزيز بخيت
يستحضر الشاعر عبد العزيز بخيت الخليفة العباسي هارون الرشيد، ويسمِّي إحدى قصائده باسمه، ليستخدمه رمزاً ثرياً بالمعاني التي يمكن لشاعرٍ مثقف أن يوظِّفها في نصٍّ شعري حديث.
وقد رأى الشاعر أن هارون الرشيد بما يحملُ عصرُهُ من دلالات تحضُّرٍ وتقدُّمٍ وسعةٍ في العيش ومفردات الحياة، جعلت الغربيين قبل العرب يضعون الكتب والموسوعات، لتبيان وجوه ذلك كله، يصلحُ لأنْ يكونَ باباً يلجُ منهُ إلى موضوعه.
ولم يكتفِ عبد العزيز بخيت بمجرد الإشارة، أو التلويح، أو التنصيص، بل استصحبَ الخليفة العباسي في منامه، ليجعله شاهداً على هذا العصر الحديث، غير أنَّ منامه لم يسفر إلاَّ عن كابوسٍ فظيع، ولهذا السبب نجد الشاعر يُحسن استخدام تقنية السرد القصصي التي يحتاجها الراوي صاحب الرؤيا، فيلجأ إلى استخدام الفعل الماضي في سرد أحداث هذه الرؤيا-الكابوس.
ويحاول إتقان مفردات هذا السرد في مطلع قصيدته، فيورد ثلاثة أحداث متتالية مباشرة: هي اليقظة على أثر صوتٍ عالٍ لمنادٍ، والتلفُّت لرؤية صاحب الصوت وتيقنهِ، ثم شرب الماء للتخفيف من حدة الارتياع والخوف، وهذا ما يفعله المتيقظ من كابوسٍ على الحقيقة:
العراقَ العراقْ
صاحَ بي
وانتبهتُ
تلفَّتُّ حولي
شربتُ من الماء ما يُبعدُ الخوفَ منهُ
………
ثم يسترسل في السرد، فيعود لمواصلة النومِ على الجنب الآخر، غير أنه ينامُ على فراشٍ مخصوص… هو ضياع الشرف العربي، فيمتزج لديه المحسوس بالمتخيَّل، ويتواصل الكابوس بأحداثه، حيث يُدركه هارون الرشيد بالعتب والتقريع، والشاعر مازال في حالةٍ من والذهول والاختناق:
وبدَّلتُ جنبي
ونمتُ على نكبة الشرف العربي المراقْ
كان كابوسه شاحباً
جاء يعدو إليَّ
ومدَّ يديه ليمسك بي
فانتبهتُ
وفي نفَسي شهقةٌ
واختناقْ
…….
ثمَّ يبدأ الشاعر في الإفادة من حضور الخليفة العباسي ليحاكِم من خلاله أمةَ العرب في هذا العصر، وكيف تخاذلت عن حماية شرفها، وترجَّلَ الفارسُ العربي عن صهوته، واتخذ من تجربة العراق وما يحصل فيه على مرأى الأمة ودرايتها مادةً لهذه المحاكمة، ثم يقرِّر حالة السعة في عصره حيث قال مخاطباً أسراب الغيوم "أمطري حيث تمطرين فإليّ يرجعُ ريعك"، فيفيد الشاعر من هذه المقولة ويوظِّفها توظيفاً ذكياً:
قالَ يا للعراقْ
كانت الأمة العربية
في حبوة الغنج
سكرى من الذنب
والفارس العربي مُعاقْ
أمطري حيثُ شئتِ
فلن تمطري
ما يسدُّ لغسل يد الشعبِ
من حفنة السائسين
وغسل المرابين بالراقصات من الجوع
غُسل الجنابةْ
………
وقد أماط الشاعر اللثام عن أوجه الخلل حيث ابتلاء الشعب بما يقترفه الساسة الطائشون والمرابون وأمثالهم، فالحال بائسةٌ على الرغم من الوفرة بوجود الثروات الأرضية مثل الماء والنفط:
أمطري
فالترابُ يكاد يغصُّ من الماء
والنفط غير شكل الحروف
ووحد كل لغات الكتابةْ
……
ويستمر حضور الخليفة هارون الرشيد في تفاصيل القصيدة، فيعجب من تناقض الحال مع الصورة التي يجب أن يكون عليها، فاستوجب ذلك كآبته وبكاءه، فماذا بكى:
وجهُهُ
موغلٌ في الكآبةْ
جاء يبكي فوانيسَ قصر الرصافة
بغدادَ
والمتحف اللغويَّ
وفصلاً من النحو
والتمر في النخلة السامريةْ
وعصر الخلافة..
درسَ التواريخِ
في الحصة المدرسيةْ
…….
ويدفع هذا التناقض الخليفة العباسي ليعترف بأنه رأى ما لم يتوقَّع من السعة والخير والتطور، إنه رأى الصورة مشوهة تماماً فيضعُ على لسانه قوله:
توهمتُ أن العراقَ
أحاديث قيسٍ وليلاهُ
أو صفحةٌ من كتاب كليلة
….
والعراق دمٌ
حين ناديتهُ
جاء صوتي على النعش جمجمةً
وعظامْ
…..
ثم يعود الشاعر إلى صوته هو، ويعود إلى كابوسه الذي لم ينقطع:
فانتبهتُ
توهمتُ أني انتبهتُ
شربتُ من الماء ما يُذهب الروع منه
وعدتُ إلى غفوتي لأنامْ
……
إنَّ قصيدة "هارون الرشيد" هي من قصائد الشاعر عبد العزيز بخيت المهمة، إذ أبدى من خلالها مهارة ملحوظة في استخدام الرموز التراثية استخداماً فاعلاً وخلاّقاً، فضلاً عن إفادته من تقنيات السرد الحديثة، كالقصِّ ووصف الأحداث والحوار وتداخل الأصوات، وبذلك استطاع أن يجنب القصيدة من المباشرة في تناول الموضوع، وينـزهها من الملل لدى قارئها. وقد عبَّر، فوق ذلك، تعبيراً واعياً عما يفور به واقع أمته، وما تعانيه من آلام، فاستقدمَ لذلك العراقَ بوصفه معياراً للصورة القاتمة التي تعيشها هذه الأمة، واستدعت الشاعر للتعبير عنها على ما رأينا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























فبراير 2nd, 2007 at 2 فبراير 2007 4:06 م
نقد متكامل
وقصيدة رائعة
زدنا من هذا الإبداع د. مقداد
عبد العزيز بخيت يا بخت من يقرأ لك
أيها الشاعر الجوهرة
:
يوسف جُوهر
مارس 5th, 2007 at 5 مارس 2007 7:53 م
نقد متكامل
وقصيدة رائعة
زدنا من هذا الإبداع د. مقداد
عبد العزيز بخيت يا بخت من يقرأ لك
أيها الشاعر الجوهرة
:
يوسف جُوهر
…
أخي العزيز الأديب يوسف جوهر
أمتن جداً لزياراتك المتكررة واهتمامك،
اعتزازي بك موصول.. مثل شكري.
بانتظارك دائماً.
مقداد رحيم