غُربة الشاعـر
كتبهاد.مقداد رحيم ، في 3 يناير 2007 الساعة: 23:07 م
قراءة أولى في المجموعة الشعرية
"خديـجــة"
للشاعر محمد جبر الحربي
لا أحد يُنكر على الشاعر غربته حتى إذا بدا هانئاً مستقراً، وكان له وطن. وليس الشاعر السعودي محمد جبر الحربي في منأى عن ذلك، ولا هو منه بِمُستـثنَى، فمن يقرأ قصائده في مجموعته الشعرية "خديجة" يكاد يحسُّ بغربةٍ تقتسمُ نفسه ومشاعره تتراوح مستوياتها بحسب تجارب الشاعر وظروفه، أو بواعث الكتابة لديه.
ومَن يدقِّقُ في غربة الحربي يجدها تتوزع على أمكنة كثيرة مما وطئته قدماه، على الرغم من حبه الشديد لتلك الأمكنة، فالقضية لا علاقة لها بموقف الشاعر الشخصي من المكان وإنما بانحيازه لطلب المثال الذي تـنـزع إليه نفسه وهو يكابده، وبوعيهِ الشديد بالأشياء، وما يُقال عن المكان يُقال عن ساكنيه، أي المجتمعات التي يعاشرها ويشخصُ في أبهائها، ولا تنفكُّ غربتُهُ تطاردهُ وهو مُتـلبِّسٌ بالعِشرة.
ويبقى الشاعر يلهثُ وراء المثال مهما بلغ المكان والمجتمع من اكتمال الصورة المرئية في عيون الآخرين، ويستخدم ضميره وهو يتحدث عن ذلك المثال ولكنه يعبِّر عن ضمير الجماعة ليؤسِّسَ لِما يجب أنْ تكون عليه تلك الصورة:
بلادٌ أحطتُ بها لم تُحطني
وأهلٌ كما الماءِ في الماءِ
لا دهشةٌ في الغيابِ
ولا دهشةٌ في المآبِِ
ولا دهشتي في التجـنِّي. (ص66)
……
وتتجلَّى غربة الشاعر هنا في ابتعاد الهوة بينه وبين المكان وساكنيه: الوطن والمجتمع، فسيَّانِ لديهما إذا غاب الشاعر أو حضر، بل حتَّى إذا فعلَ ما يستفزُّ ويبعثُ على الدهشة، إذ يبدو ضائع الأثر، ويُقرِّرُ أنَّ مغادرته طور الطفولة حيث البراءة وقبول الأشياء على علاّتها والفرح بالأمر الواقع هي السبب في كل ذلك:
سأذكرُ ما ليس يُذكرُ
إنِّي افتقدتُ البراءة
حين افتقدتُ التـمنِّي
فقد كانت الأرض
ناعمةً..والطفولة
مجنونة..والليالي
مهادنة كالتأنِّي. (ص67)
……
وما ذاك إلاَّ ما أشرنا إليه قبلاً من وعي الشاعر بمحيطه بكل في فيه من معطيات.. الوعي الذي أفسد عليه الاستمتاع بقبول هذا المحيط:
وكنّا نغنِّـي..
ولكنما الوعي أفسد بوح الشجيرات للماء
بوح الحقيقة للحق
بوح المدانين بالدين
بوح العصافير صادحةً دونَ مَنِّ.
وماذا يظلُّ؟!
الحقيقةُ..
أم جفوة الرمل؟!
هجس الفجيعة..
أم هجعة المطمئنِّ؟!
يا أيها الوعي
يا أيها الوعيُ
أفسدتَ ذوقَ المغنِّي!. (ص67-68)
……
ويبدو هذا الوعي مقاوماً لما تريده الأمكنة من الغفلة والقبول بالأمر الواقع، هذه الأمكنة التي لا تقبل من القاطنين إلاَّ أن يكونوا صدى وحَسْب:
تعلمنا البلادُ بصوتها الرسميِّ
أنْ نحيا
لكي نحيا
وأنْ نرضى بما يأتي
كموج البحر ترغمنا بأنْ نبقى
نردِّدُ صوته الأزليّ. (ص96)
……
وفي مقابل الاستغراق في الشعور بالغربة عن الوطن، وهي حالة غياب للوطن، فإنَّ الشاعر نفسه يستحيل وطناً، فيكون حضوراً، وهذه لمحة تصوفيَّة جليلة نجدها في قوله:
إذا ما غابَ نجمٌ، واختفَى وطنٌ
أنا الآتـي
أنا الآتـي. (ص98)
……..
ولا يجد الشاعر فرقاً بين غياب الوطن في ذاته، أو غيابه هو في الوطن، فالعذاب واحد والغربة لها المذاق نفسه من المرارة، ولذلك يقول محدثاً نفسه:
يا لهذا الفتى
موغلٌ في المتى
موغلٌ في الغيابْ
ساكنٌ فوقَ حد المدينةِ والمقبرهْ. (ص126)
………
وعلى الرغم من هذا الوعي الشديد بالواقع والشعور بالغربة عنه لدى الشاعر، فأنه ما زال مسكوناً بطفولته المُهادِنة الراضية بالوقع كما هو، ويؤكِّد طفولة الشاعر وبراءته الدائمة مهما كبرت سنُّهُ:
كان قلبُ الفتى مولعاً بالغناءْ
مولعاً بالشجر
لم يجد في قلوب البشر
غير قلب الصغيرة
أبلغها كل ما كان في غيِّهِ
ثم أسلمَ في قلبها
قانعاً بالمـكانْ
قانعاً بالمطرْ
حين يأتي
ولا يعرف الطفلُ كيف كبرْ. (ص7)
……
أما إذا مات غريباً عن بلاده فسوف يَـعدُّهُ الآخرون في الأموات، ولكنه سوف يكون شهيداً، ولن يموت على وجه الحقيقة، وستبقى روحه متعلقةً بأصله وبلاده وعروبته على الرغم من جحيم تلك البلاد وقسوتها:
البلاد البعيدة والأغنياتْ
وفتى ضاربٌ في القصيدةِ
مستأصلاً ما يخطُّ النحاةْ
لم يمتْ رغم قتل الحياةِ
وجهل السفائنِ
لكنما قيلَ ماتْ. (ص8)
………
وفي هذا المعنى حبُّ فطري للوطن لن تستطيع الغربة مهما بلغت من القسوة أنْ تَـثني الشاعر عنه، بل حتَّى لو كان الوطن كفناً، وهنا تتجلَّى الغربة في أقصَى حالاتها:
وطنٌ أمْ كفن ؟!. (ص90)
……
وينأى منطق الشاعر محمد جبر الحربي عن محدودية المكان، ولا يدَّعي المواطنة لقطرٍ عربي دون آخر، ولا لمدينةٍ دون أخرى، ولذلك تجدهُ يعبر عن غربته في مدينة عربية كما يعبر عنها في مدينتهِ الرياض، وإنْ اختلفتْ مظاهر الغربة أو أسبابها المباشرة، فها هو يقف غريـباً في حضرة مدينة الرباط التي يتنكَّر له كلُّ شيء فيها، فلا يُخفي مشاعره بغربته فيها، ولا يؤخِّر عتابه لها:
لِمَ يا رباط؟!
قد جئتُ من جهم التوجُّس
قلتُ: تعرفني المدينةُ
بابُها
أصحابها
لكنها بسحابها كانت عليَّ
أسداً عليَّ..(ص44)
…..
أما مدينة القاهرة فيرى الشاعر فيها من الغرابة ما يجعله غريباً عنها، فتنال منه ما نالته مدينة الرباط من الاستغراب والعتاب، بل الاحتجاج أيضاً:
لعينيكِ
للشفة البرتقالْ
وللجامعية تخدمُ في البار
للندلِ المتردد خلف ابتسامته
للعجوزِ الذي فتح الباب ثم استدارْ
(كأن أبي خلف خوفٍ ضليعٍ يحدثني)
للمقابرِ مسكونة
للزحامِ الشديد
وللراكضين مع الباص- للباص
للسائقين بلا أطرٍ
وللسائق المتسيس
للنكتة البكر
ألقي عليك احتجاجي،
وعذري
وبعض الذي لا يُقالْ. (ص40-41)
……
ويبدو الحربي في غربته ناقداً واعياً ذكياً، لأنه يرى في الأوطان ما يدعو إلى إعادة النظر والتصحيح، وكلما أمعن الوطنُ في الغلط والابتعاد عن الأصالة والصواب، تعاظم شعورُ الشاعر بالغربة فيه:
لهفي على وطنٍ يغادرنا
ليسكنَ في المحافل والفنادق
تترك الصحراء أنجمها
تبحرُ في ملفات العويل
وواجهات النشرة الأولى
وأقبية الفراغ
وتترك الأنهار أبناء القرى
لتنام في برك السباحه. (ص80)
…….
وفي مثل هذه الأوطان لا يسع المرء أن يهتدي إلى الحقيقة وأن يضع يده على حلول للمشاكل والمآسي، ومنها ضياع الثروات والغلّات وكأنه أرض خاوية، وإلاَّ فإنه يقف وجهاً لوجه أمام قدره المحتوم:
وطنٌ ترابْ
يقفُ النخيل وكم يطولُ الوقت بالنخل
وكم ينأى السحابْ
وطنٌ ضبابْ
إنْ تدرك الأطرافَ تدركك المنيةُ يا معذَّبُ
فالتئمْ بالتربةِ العذراء
وليكن الغيابْ
غابٌ وغابْ
لا أرضَ في الأرض التي تهب السوادْ
لا أرضَ في الأرض اليبابْ
وطنٌ ترابْ
وطنٌ ضبابْ
وطن سرابْ. (ص81-82)
…….
ويرسمُ الشاعر صورةً لغربة الإنسان كما يراها هو ويحسُّ بها هو، وهي صورة قاتمة يغطِّيها الضياعُ، ويختصر ألوانها السؤالُ دون إجابة:
غريبونَ
لم نستشرْ أحداً
ربما ماتَ مِن قبلنا مَن أشارَ
ومَن ضلَّ في الدربِ
دونَ مكاشفةٍ أو دليلْ. (ص24)
…….
إنَّ الشاعر لا يكفُّ عن الشعور بالغربة لأنه يرى الأشياء دائماً بنظرة ثاقبة ومتجددة، وكأنه يرى الأشياء لأول مرة، ومثل هذا الشعور يتبدَّى واحداً من ملامح أحزان الشاعر محمد جبر الحربي، ففي مجموعته الشعرية هذه صورة متناثرة الأجزاء على قصائده تدلُّ على ما يلفُّ نفسه من الألم والأسى، وعلى مواقفه من الحياة…صورة لنفسه الواعية المعذَّبة، ولهذا قراءة ثانية آتية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 3rd, 2007 at 3 يناير 2007 11:55 م
الغربة … هي عند الفنان إلهام لاعمال فنية عظيمة …………. وبالمناسبة واحد سأل واحد تاني ما اصعب ما في الغربة ،، فرد واحد تاني اصعب ما في الغربة … الغربة …. فكانت الاجابة بيت في قصيدة جميلة …….تحياتي (واحدتاني)….والسلام
يناير 5th, 2007 at 5 يناير 2007 10:55 ص
الشاعر الكبير والناقد د. مقداد رحيم
أنرت دربك لنا بأريج الريحان وكل ما حلا وراق من جميل الكلام
والإيقاع والنقد والصور الرائعة
إننا أمام قامة شعرية حقيقية بالفعل
ونقدية أيضا
الشاعر محمد جبر الحربي
سيد الكلام مرحبا لنا بك ودمت شاعرا رائعا
والدليل هذا النقد الذي التفّ حول عملك
الذي يستحق كل احتفاء وتقدير..
:
سمير الراشق
يناير 5th, 2007 at 5 يناير 2007 11:21 ص
سأهدر روحي هنا !!
مشكلة ,,
.
.
.
.
د. مقداد رحيم نقدك يذهلني
الشاعر محمد جبر الحربي شعرك يبهرني
:
حامد
يناير 5th, 2007 at 5 يناير 2007 6:53 م
هنا شاعر وناقد يروي عروق حضارة شامخة
ويروي لنا نقد بعين صائبة
دوما تصيب الهدف د. مقداد رحيم
:
الشاعر محمد جبر الحربي
حروفك تناديني
كلما قرأتها
:
جابر الفقيه
يناير 18th, 2007 at 18 يناير 2007 6:16 م
الغربة … هي عند الفنان إلهام لاعمال فنية عظيمة …………. وبالمناسبة واحد سأل واحد تاني ما اصعب ما في الغربة ،، فرد واحد تاني اصعب ما في الغربة … الغربة …. فكانت الاجابة بيت في قصيدة جميلة …….تحياتي (واحدتاني)….والسلام
::::
الأخ واحد تاني
أشكرك جداً لتشريفك،
وإنْ كنتَ واحد تاني.
مقداد رحيم
يناير 18th, 2007 at 18 يناير 2007 6:18 م
الشاعر الكبير والناقد د. مقداد رحيم
أنرت دربك لنا بأريج الريحان وكل ما حلا وراق من جميل الكلام
والإيقاع والنقد والصور الرائعة
إننا أمام قامة شعرية حقيقية بالفعل
ونقدية أيضا
الشاعر محمد جبر الحربي
سيد الكلام مرحبا لنا بك ودمت شاعرا رائعا
والدليل هذا النقد الذي التفّ حول عملك
الذي يستحق كل احتفاء وتقدير..
:
سمير الراشق
….
أخي العزيز سمير الراشق
أسعدني جداً مرورك وتشريفك مدونتي،
ثم تعليقك الجميل.
تفضل بقبول فائق تقديري ومحبتي.
مقداد رحيم
يناير 18th, 2007 at 18 يناير 2007 6:19 م
سأهدر روحي هنا !!
مشكلة ,,
.
.
.
.
د. مقداد رحيم نقدك يذهلني
الشاعر محمد جبر الحربي شعرك يبهرني
:
حامد
….
أخي العزيز حامد
متابعتك تسعدني جداً،
لا حُرمتُ تشريفك هذه المدونة دائماً.
سلمتْ روحك.
مقداد رحيم
يناير 18th, 2007 at 18 يناير 2007 6:20 م
هنا شاعر وناقد يروي عروق حضارة شامخة
ويروي لنا نقد بعين صائبة
دوما تصيب الهدف د. مقداد رحيم
:
الشاعر محمد جبر الحربي
حروفك تناديني
كلما قرأتها
:
جابر الفقيه
……………..
أخي الأستاذ جابر الفقيه
ومرورك دائماً يسعدني أيها الفقيه النبيل.
لك موفور محبتي.
مقداد رحيم
يونيو 17th, 2007 at 17 يونيو 2007 6:00 م
الشاعر الكبير د. مقداد رحيم مساء الخير رفقا بي
فقد قـُيّد الحرف بقيد الشعور ، وأنا اعجز عن مجارة حروفك
فبحضورك الندي الرقراق تعطر المكان
وزهت نفحاته فسعادتي بصافحة اسمك كبيرة
وانه لمن الشرف لي ان اقرأ لك في موقعك والوافر الظلال الكثير الغلال واحة لشعر الشاعر محمد جبر الحربي
لو كتبت اطراء سيكون قليل بحقك
فأنا أمام عملاقتكم مبتدئة.
يونيو 17th, 2007 at 17 يونيو 2007 6:01 م
الشاعر الكبير د. مقداد رحيم مساء الخير رفقا بي
فقد قـُيّد الحرف بقيد الشعور ، وأنا اعجز عن مجارة حروفك
فبحضورك الندي الرقراق تعطر المكان
وزهت نفحاته فسعادتي بصافحة اسمك كبيرة
وانه لمن الشرف لي ان اقرأ لك
في موقعك والوافر الظلال الكثير الغلال واحة لشعر
الشاعر محمد جبر الحربي
لو كتبت اطراء سيكون قليل بحقك
فأنا أمام عملاقتكما مبتدئة.
يونيو 24th, 2007 at 24 يونيو 2007 12:13 ص
الأديبة العزيزة صبا عبد الرحمن
سروري بحسن متابعتك وتواصلك عظيم،
فوق ما لإطرائك من أثر جميل في نفسي.
اشكرك جداً،
وأنتظر مزيد متابعاتك.
مقداد رحيم