قراءة في قصيدة
كتبهاد.مقداد رحيم ، في 25 نوفمبر 2006 الساعة: 21:52 م
" أعيـذك ِ .. أنْ تحـترقي في دفاتري"
للشاعر حمـدان الـحــارثـي
يقفُ قارئ قصيدة "أُعيذكِ..أن تحترقي في دفاتر عمري" أمامَ شاعرٍ ذي حسًّ مُرهَف، ولغةٍ شفيفةٍ، وخيالٍ ثرّ. وهو إلى ذلك يُقدِّس المرأةَ تقديساً مطلقاً، ولكنه يختزلها في امرأةٍ واحدةٍ عشقَها، وصار يُخاطبُها من خلال هذه القصيدة جاعلاً منها السبب في خوارقَ كثيرةٍ كانتْ في الوجود، أولها خَلْقُ الأرض، وشروق الشمسِ، وليس آخرها نزول الأديان والنبوءات الأولى:
آمنتُ أنَّ البسيطةَ أُنثى
وأنَّ المزامير وقتَ النبوءاتِ كانتْ لها
والشروق الذي رتَّبَ الأَشقياءْ
وهو يشير هنا إلى مزامير داوود وسليمان وآصاف. وهو لا يبتعد عن هذه المعاني الدينية قليلاً حتى يرجعَ فيستخدم كلمة "كفرتُ" وقد كفرَ بغير محبوبته التي يُخاطِب من النساء، و"شِرك" الذي هو ضد الإيمان، ولكنه شِرك بغيرها من النساء وإيمان بها:
إِني كفرتُ بكل النساء
وإِنَّ اشتياقي لغيركِ شِركٌ
ثمَّ يتمثَّل له فارسٌ كأنه وحي الشعر يُقرئهُ كتاباً، أليسَ هو كتاب الحُبِّ؟!
ويسأله هذا الفارسُ ـ الوحيُ أنْ هلْ آمنتَ؟:
آلاااااان آمنتَ؟؟؟!!
بعد اللقاءِ الذي خطَّهُ فارسٌ يحشو وريدي
قصيداً..
فتهفو إليه المرايا
وأخرى كأسطورةِ الغابرين
أما كنتَ تقرأ ذاك الكتابَ سطوراً ؟
ولكنه في الوقتِ نفسهِ أنبأهُ بأنه سوفَ "يُحشَرُ" في العاشقين:
فقال ستُغلَبُ في آخر الكلماتِ من الشوقِ..
تُحشَرُ في العاشقين.
وقد دفعَه احترافُه للعشقِ وهيامه بمحبوبته إلى رسم هذه الصورة التي يبدو فيها مُلهَماً كواحدٍ مِن أَصحاب الرسالات، ولكنَّ رسالته هي العشق، ومثلهم يُوحَى إليه ولكنْ شعراً (!).
ويتابعُ أجواءهُ الدينية فينصّ على المفردات: "حورية" و"يؤمن" و"يتلو" و"تقصصي" و"الساجدين" و"يطوف":
1-وبوئي بغضبة حوريةٍ كان تذكارها حين أشعلها الرمل..
2- سيؤمن خلقٌ كثيرٌ
3-ويلوه شيخٌ ضرير
4- أن تقصصي ما رأيتِ على النبع والزهرِ
والساجدين
5- لن يعذلوا مَن يطوفُ بنورِكِ
وكان منذ البدء ملتزماً بهذه الإيحاءات عندما بدأ قصيدته بكلمة "أُعيذكِ" وجعلها في رأس عنوانها، ثم أقسمَ بخالقِ عينَي حبيبته: الله سبحانه بقوله: "وخالقِ عينيكِ". وحتَّى لا تبدو قصيدته مَنجَماً لهذه الأجواء وحدها حاول أنْ يُطرِّزها بمعانٍ أُخرى، منها ما هو أسطوري حكائي كالسندباد، ومنها ما هوتعبيري وصفي أجمله قوله:
1- وإِنَّ القصيدَ لغيركِ كان إليكِ
2- ما يرتقُ البرقُ في اللؤلؤ المتوشِّج بالغائبين
3- حتى تهيم بها كركراتُ الغيوم
ومع هذا الإنحياز كله إلى هذه الحبيبة نراها تختفي من حياته نهائياً في آخر القصيدة (!)، وإلاَّ ما معنى قوله:
أُعاقر كلَّ الوصايا التي دَفَنت في الأفول امرأةً..
أليسَ الأفول غياباً، والدفنُ غياباً أبدياً؟!
ولاشكَّ بعد هذا العرض الموجز لمعاني الشاعر في قصيدته هذه في أنَّ الشاعر لم يستطع التخلص من الموروث الديني وهو يكتب، كم لا ينبغي له ذلك، ولم يتخلَّ عن إيماناته وما يعتقد، ولكنه يُوصَى بالحذَر!.
وقد لفتَ انتباهي إحكامه لموسيقى الشعر في النص من حيث التزامه بتفعيلة "فعولن" التي ساعدتْه كثيراً على البوح، أو قُلْ هو الذي أحسنَ الإِفادةَ منها، ولكنه مع ذلك وقع في انزلاقات وزنية بسيطة أودُّ أنْ يُراجعها حتَّى يُنزِّهَ هذا النص الجميل منها. مِن ذلك قوله: أُعيذكِ أن تحترقي في دفاتر شعري، والصحيح هو أن يقول : أنْ تُحرَقي،فيستقيم الوزن، ولا يتأثر المعنى كثيراً، ولاسيما هو في واجهة القصيدة. ثم قوله: "وخالقِ عينيك لما تحن ما حملته الخمائل"، فالكلام مكسور وزناً، وغير مفهوم، ولعلَّ شيئاً سقط منه في الطباعة. وقوله " أعاقر كلَّ الوصايا التي دفنت في الأُفول امرأةً.." وانكسار الوزن هنا يقع في كلمة امرأة.
ومع أن لغته جميلة وقورة إلاَّ أنه وقع في أغلاط وإنْ كانتْ بسيطةً جداً، منها قوله: "على وردةٍ كنتُ أحفلتُها"، فما معنى أحفلتُها؟ هل يُريدُ احتفلتُ بها، أوحَفلتُ بها؟، وقوله: "أما كنتَ تقرأ ذاك الكتابَ سطوراً وطوراً"، فما معنى وطوراً هنا؟، وقوله"أتاك النداء على سُنَّة الموج" وأظنُّهُ يُريدُ "سَنَن".
وهوبعد ذلك ينصب الفعل المضارع بعد "حتَّى" ، وهي تنصبه، وقد فعل ذلك مرَّاتٍ بعدد وجودها في القصيدة فعرفتُ من ذلك أنه عامِد (!):
1- حتى تعودُ الصواري..
2-حتى … تؤوبُ الموانئ
3- وحتى تكونُ الرهاناتُ…
4- حتى تهيمُ بها
ويفتح همزة إِنَّ في موضع الكسر، كما في قوله: "أَني كفرتُ" و"أَنَّ اشتياقي" و"أَنَّ القصيدَ…" . وقد كتب الهمزة في كلمة "موانيء" منفصلةً بعد ياء، ولا داعيَ للياء، لأنَّ الهمزة تُكتَب في هذه الكلمة على الألف المقصورة هكذا: موانئ. وربما سقطتْ منه كلمة أو أكثر عند الطباعة في قوله:"دومي جمالاً بلعنة توقي.. لدرك الشقاء"، وقوله "أن تكون الضياء يدين" إذا لم يكن يريد "يكون".
أما أنا فقد احتفلتُ بالقصيدة بقدر إعجابي بها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 27th, 2006 at 27 نوفمبر 2006 8:18 ص
تشرفنا زيارتك لمدونة المغرب الجميل على مكتوب…دعوة مفتوحة لك ولمتصفحيك الكرام بالقاء نظرة على صور المغرب…مرحبا بك لدقائق معدودة تريح فيها عينيك …في انتظار زيارتك تقبل مني فائق التحيات …مع اعتذاري بعدم التعليق على تدوينتك حالا لأن لي عودة أكيدة انشاء الله…مشغول اكتير بالدعاية لهذه المدونة
لك الشكر الجزيل لتفهمك.
نوفمبر 28th, 2006 at 28 نوفمبر 2006 10:00 ص
الأستاذ الدكتور / مقداد رحيم
نشكرك على هذه المدونة الرائعة والتي تثري بحق الحياة الأدبية والنقدية في العالم العربي
شكرا لك ومزيدا من التألق والإبداع
بهاء الدين رمضان
أمين اتحاد كتاب مصر فرع الجنوب
يناير 3rd, 2007 at 3 يناير 2007 10:37 م
تشرفنا زيارتك لمدونة المغرب الجميل على مكتوب…دعوة مفتوحة لك ولمتصفحيك الكرام بالقاء نظرة على صور المغرب…مرحبا بك لدقائق معدودة تريح فيها عينيك …في انتظار زيارتك تقبل مني فائق التحيات …مع اعتذاري بعدم التعليق على تدوينتك حالا لأن لي عودة أكيدة انشاء الله…مشغول اكتير بالدعاية لهذه المدونة
لك الشكر الجزيل لتفهمك.
….
أخي العزيز الكريم (لم تذكر اسمك)
أسعدني مرورك بمدونتي جداً،
كما أسعدني اطلاعي على صور المغرب الحبيب،
بوركت جهوردكم،
وأشكرك شخصياً على اهتمامك بمدونتي هذه،
وأنتظر عودتك الكريمة.
وكل عام وأنتم والمغرب العزيز بخير وافر.
مقداد رحيم
يناير 3rd, 2007 at 3 يناير 2007 10:41 م
الأستاذ الدكتور / مقداد رحيم
نشكرك على هذه المدونة الرائعة والتي تثري بحق الحياة الأدبية والنقدية في العالم العربي
شكرا لك ومزيدا من التألق والإبداع
بهاء الدين رمضان
أمين اتحاد كتاب مصر فرع الجنوب
….
أخي الأديب العزيز بهاء الدين رمضان
يا ابن مصر الغالية على النفس والقلب،
كم أسعدني وأبهج قلبي أن أجدك بين المتصفحين لمدونتي!
ليتك تعاود الزيارة فأتشرف بملاحظاتك وآرائك،
وكذلك إخواني من الأدباء في اتحاد كتاب مصر فرع الجنوب الجميل.
سأنتظركم، فلا تتأخروا أيها الأعزاء.
وكل عام وأنتم بخير وأمن وسلام.
أخوكم
مقداد رحيم