قراءة في نص
كتبهاد.مقداد رحيم ، في 23 نوفمبر 2006 الساعة: 06:22 ص
"مـأزق"
لوفــاء الـعمـير"
عاشقة وَقورة، وثائرة هادئة!.
هكذا بدتْ لي وفاء العمير في "مأزقـ"ـها. ولكنْ كيف ذاك؟.
إنها تحبُّ على غير اعتياد.. فهي مولعةٌ بعمق، محترقة الأوصال، دائمة النجوى لمن تحب، بلْ إِنَّها، لِعظمة ما تجد، تَجعلُ عناصر الطبيعة معادلاً موضوعياً لما بينها وبين مَن تحب، فالحديقة وما فيها من أشعارٍ وأشجار، وأغصان الشجر والمطر والشمس تُشاركها في مأزقها-الحب، فهي لذلك تتََجلَّى بهدوء.
وقفت الأشعار كلها في الحديقة الخلفية
تحرسك مني
وقفت الأشجار أيضاً
وراحت الأغصان تتسلل من خلال فتحات النوافذ
تقيم حولك حراسة مشددة
لئلا يصل إليك طوفان أحلامي
وتعترف هذه العاشقة أن كل هذه العناصر تعيقها عن التعبير عما يضيق به صدرها، وكأنها قد سخَّرتْها من أجل هذا البوح فلم تقدر، فبدلاً من أن تعينها على المحبوب حرستْهُ وحمتْه منها.. من طوفان أحلامها، فهي لذلك عاشقة ثائرة.
ومحبوبها، بعدُ، يبدو غيرَ آبهٍ وهو يجلس بهدوء يقرأ كتابه على أنغام الموسيقى، أفليس من حق كرامتها ووقارها أنْ تطلب منه الرحيل وأنْ يتخلَّى عنها، ثم أنْ ينساها؟ وهاهي قد فعلتْ. ولكنْ هل تتخلَّى عن التصريح بالحقيقة التي تقف وراء مثل هذه الطلبات؟ لا، فخفقات قلبها ستخيِّبها حقاً، وهاجسها سيطفو على سطح مشاعرها الحقيقية، فتضطر للاعتراف بأن هجرَه وصلٌ، ونسيانه تعميق للودّ.. لمعرفة مَنْ هي..هذه العاشقة الوقورة الثائرة الهادئة (!)، وأنَّ الوجود سيفقد سِحرَهَ بدونه، فماذا سيبقى للوجود بلا سِحر؟!. وماذا يكون الحب إذا كانت صادقةً في طلباتها؟!.
ماذا سيحدث لو رحلتَ؟
أدري سيختفي سحر العالم
….
أريد أن تنساني لتعرفني مجدداً
ثم إلى أين المفرُّ من حبها، وقد كُتب اسمهُا في دمه كما تُكتَب الأَقدار؟!، ولهذا تجد نفسها من غير أنْ تدري تتنازل عن كل مطالبها وتقول له:
لا تُصغِ إليَّ ولا ترحلْ
لمْ أَعـدْ أُميِّزُ كيف أريدكَ معي حقَّاً!!
إن وفاء العمير وهي تستبطن مشاعر المرأة العاشقة، فإنما قصدتْ إلى هدفين أساسيين، أولهما أن الحبَّ لا يستحيل إلى شيءٍ آخر، لا الضد ولا سواه، وأنها وهي تحب تكون متضاربة الأهواء، مضطربة المشاعر، سريعة اتخاذ القرار، وسريعة الرجوع عنه، وفي هذه الحالات كلها وفي أشد منها لا تكون غير محبةٍ عاشقة. وهذا مدخل نفسي طريف في نفس المرأة العاشقة.
وثاني الهدفين هو أنَّ الحبَّ لا يتناقض والحياة بكل تفصيلاتها، بل هو واحد من ضرورات الحياة، بل إن العاشق يحسُّ بالموجودات وعناصر الكون أكثر من سواه، وكأنها في ذلك شريك له في حبه، وهي الشريك الوحيد الذي يمكن قبولُه (!)، أفليس من الضروري أن نتجانس مع محيطنا الذي نعيش فيه؟!.
إن الإضطرابات التي أشرتُ إليها، فضلاً عن السطر الأخير في النص، لم تمنع الكاتبة من التعبير عنها بما يشبه البوح، بل الهمس، ومن هنا يأتي الوقار في الهيأة. ثمَّ إنَّ عنفوان الكرامة وطوفان الأحلام، وهما مما دار حولهما النص تقتضيان الهيجان، وبِهما تُدرَكُ الثورة في المشاعر، والموازنة بين هذين هو مما يُحسَبُ للكاتبة الوقورة وفاء العمير.
ولابد من الإشارة إلى إتقان الكاتبة هنا للغتها التعبيرية، أما الجانب البلاغي وجمال التعبير فهما مما لم يسعف الوقتُ بالكلام عليهما، ولكنني أعد بالكتابة عن هذين فقط في نص آتٍ يكون مشحوناً بهما مثل هذا النص.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























