أبجدية القرويّ العاشق
قراءة في المجموعة الشعرية "الغزالة تشرب صورتها" للشاعر السعودي علي الحازمي
كيف تشرب الغزالة صورتها؟.. لعلَّ هذا السؤال يقفز إلى الذهن بعد قراءة هذا العنوان الذي جعله الشاعر السعودي علي الحازمي لمجموعته الثالثة "الغزالة تشرب صورتها". وبعد تأمُّلٍ في بلاغة العبارة تبدو الصورة وتتجلَّى لتدلَّ على براعة الشاعر في رسم الصورة الشعرية المُبدَعة، حيث تنعكسُ صورة الغزالة في الماء الذي تقترب منه لتشربه، فإذا ارتوتْ رفعتْ رأسها، وأشاحت بوجهها عنه، فتكون قد شربت صورتها تلك على سبيل المجاز. لكنَّ القضية لم تنتهِ بالارتواء من الماء، بل تبتدئ حيثُ غياب الصورة، وهو تلاشٍ وانتهاء، وهنا تبدو إشكالية معقدة أساسها التناقض المنبني على الارتواء بوصفه إيجاباً رامزاً للحياة، وغياب الصورة بوصفه سلباً رامزاً للموت، ومن هنا نلمح جدلية الحياة والموت.
ولكن ما حكاية الغزالة نفسها؟، وهل الصورة الذي رسمها الشاعر لها منذ العنوان هي صورة مجردة مُقتطَعة من خيالٍ لا علاقة له بالواقع؟، وهل هي صورة طارئة فرضتها لحظة من لحظات التوهُّج التي تمسك بتلابيب الشاعر ولا تنفكُّ منه إلاّ بعد أن يسجلها في ذاكرته الشعرية؟.
إنَّ الغزالة هي الروح… هي روح الشاعر أحياناً، وهي الروح المجردة أحياناً أخرى، وما دامت كذلك فما أحراها بأنْ تكون مصدر الفعل، أيِّ فعل، وبذلك أُبرِّرُ للشاعر دورانها في قصائده، وشيوعها بين مفرداته، وهو يُشْـبه في ذلك ما كان يفعله بعض القدامى من المتصوفة.
تقع المجموعة في خمس عشرة قصيدة، لترسم بشكلٍ واضحٍ وبأسلوبٍ بليغٍ ملامحَ الحالة التي يعيشها علي الحازمي، وهي حالة عِشقٍ قروي متأصِّل في روحه وكيانه، ومستولٍ على مشاعره، طاغٍ في شِعره، ولذلك أصف عشقه بالقرويَّ.
يقول الشاعر في قصيدته "نخلة…تسند العمر":
لأني أحبكِ
أكثر من أيِّ وقتٍ مضى
أستجيبُ لخطوِ الغزالِ على ظلِّكِ،
خلاخيلكِ
تستحثُّ جيادَ انتظاري المؤجَّلِ
في هدأةِ الوقت. ص19
وعلى الرغم من قصر هذا المقطع فأنه يقودنا إلى عالم الشاعر الخاص والمتميز، وبه يرسم لنا صورة مقتطعة من القرية ببعض تفاصيلها الدقيقة الجميلة، فضلاً عن المعنى الذي حاول الشاعر باقتدارٍ تكثيفه بهذه العبارات الشعرية القصيرة، حيث تتبدَّى الغزالةُ هنا، وهي من ملازمات القرية، رمزاً للروح…لروح الشاعر نفسه، وقد جعل حبه المتزايد لمعشوقته شرطاً لسيلان روحه على ظلها، كما يستحضر الخلاخيل وهي من ملازمات المرأة القروية ليتخذ من صوتها، أي صوت الخلاخل الذي يفترضه في مخيلته الخصبة، صوتاً يحثُّ انتظاره المؤجَّل الذي شبَّـهَهُ بالجياد التي هي أيضاً من ملازمات القرية أيضاً، ليقرِّرَ معنى السرعة في الاستجابة في هدأة الوقت وسكونه، بينما المعشوقة في حركة متواصلة، فمن أين يكون للخلاخيل صوت بلا حركة قدميها على الأرض؟!.
فأنتَ ترى هنا قدرة فائقة في تكثيف الصورة وتأدية المعنى المراد بطريقة تدعو إلى الدهشة، فقد شخَّصَ المرئي والمسموع من ناحية، و المرئي والمتَخيَّل من ناحية ثانية.
وتعود روح الشاعر تتجلَّى مرة أخرى من خلال رمز الغزالة في قصيدته "يحيك خيبتَهُ مناديلاً"، يقول:
تجلس الذكرى أمامَ النبعِ تروي للغزالةِ
قصة العطش المقيمِ على الضفافِ
وكيف لاح الغيمُ في خجلٍ على الماضي
ليُزهرَ غصنُ قامتكِ النحيلُ. 21
فمن الناحية الوصفية التصويرية وهي ناحية برَّزَ الشاعر فيها تبريزاً واضحاً، يرسُمُ لنا صورة قروية ناصعة الملامح، حيث عناصرها الأثيرة: النبع والضفاف والغيم والإزهار الذي هو مبتدأ الإثمار، والأغصانُ فضلاً عن الغزالة نفسها. وما ذاك إلاّ وعاء لمرماهُ الحقيقيِّ، حيث تتهيَّأُ روحُهُ للغياب في هسيس الذكرى..ذكرى الحبيبة الغائبة، والشوق القديم الذي لم يكن لجذوته أن تنطفئ، وما ذاك إلاَّ بسبب الخجل الذي يلفُّ البدويَّ العاشق ويشكِّلُ ركناً مهماً من أخلاقياته، ثم يقفُ حاجزاً دون مُنـاه.
وقد تجلَّتْ في هذا المقطع عدة عناصر قرويَّة مُشخَّصة أم مرئية لتمتدَّ بالتعبير عن عناصر أخرى مرئية أو غير مرئية، فكانت الغزالة روح الشاعر، والنبعُ مصدراً للذكرى التي بدأتْ تتسلَّلُ إليها، والعطش المقيم هو الشوق الدائم، والغيم هو الحرمان باعتبار صفته الحالية لا باعتبار ما سيؤول إليه من مطر وإرواء، والإزهار هو ذلك الخجل الذي أشرتُ إليه. وكل ذلك في أربع جملٍ شعرية.
أما الروح المجردةُ فتتجلَّى في جملة عبارات شعرية منها قوله:
الغزالة جرح بهيج من المسكِ
في شفة الرغبة الآسرةْ
الغزالة ليل مريض يطوِّقُ صمت الحبيبينِ
حين ينامانِ في غصَّةِ القبلة العاثرةْ. ص41.
وفي هذا المقطع يتماهَى الفاعلُ بالمفعول، فالروح هي جرحٌ نحملهُ وفي الوقت نفسه تُحس الروحُ بألم الجرح، وهي بعد ذلك كله تنفردُ بكونها مصدر أحاسيسنا المختلفة، فيشبهها الشاعر بالبهجة حيث تستولي عليها رغباتنا، ولكنها تمرضُ عند الحرمان من تلك الرغبات، وقد لمح الشاعر بذكاء شديد علاقة المسك بالغزالة من حيث أن دم الغزال هو مصدر المسك الوحيد، فأكَّدَ بهذا التركيب العجيب شدة التلاحم بين الروح والجرح الذي هو سبب الإحساس بالألم.
وتتبدَّى قرويَّةُ الشاعر في هذه المجموعة من خلال دورانه حول ألفاظ القرية وملازماتها فتتكرَّر لديه ألفاظُ الفراشة أكثر من عشر مرات، ومثل ذلك ألفاظ الفضة والخيل والشمس والنخل والحمام والهديل والريش، وأقل من ذلك التكرار قليلاً ورد في ألفاظ الحقل والعشب والشجر، ومتوسط التكرار يقع في ألفاظ السنابل والقمح والمواويل، أما ما قلَّ التكرار فيه فألفاظ السدرة والينابيع والنايات، ولا نعدم شيوع ألفاظ أخرى كالقمر والسماء والتلال والجبال والسهول والوديان والتراب والأنهار والضفاف والمياه والأطيار والأزهار والأغصان والشذا والندى والسلال وأوقات اليوم وفصول السنة.
إنَّ دوران هذه الألفاظ في جميع قصائد هذه المجموعة يوحي بأجواء القرية، ويستحضر بإلحاحٍ تفصيلاتها الملوَّنة ويستجمع عدد الرؤى والمشاهد فيها، ويؤكِّد إمَّا انغماس الشاعر في تلك التفصيلات على وجه الحقيقة، أو انغماسه فيها على وجه الخيال، والذي أُرجِّحهُ هو مرور الشاعر بالحالة الأولى بإمعانٍ ثم انقطاعه واقعياً عنها من غير أنْ يشذَّ خياله عنها، بل هو دائم الشوق إليها، مرتبط بها أشد الارتباط الروحي والعقلي، وهو لذلك يستمدُّ أبجديته الشعرية منها، والدليل على ذلك هو انسجام اللغة بمفرداتها وكأنها نبعٌ سلسال، وطواعية المعاني وكأنها عبيدٌ لتلك اللغة، وهذا هو السبب الذي يجعل من هذا التكرار لوازمَ لا تدعو إلى الملل ولا تحرِّضُ على الابتذال.
ويبدو لي أنَّ الحازمي، أراد في مجموعته الشعرية هذه أن يؤسِّسَ لاتجاهٍ شعريٍّ يتفرَّدُ به من ناحية، ويدعو إلى الالتزام به بوصفه أداةً للخلاص من مادية الحياة من ناحية ثانية، وكأنه بذلك أراد أن يلفتَ النظر عن استخدام الأسطورة في الشعر الحديث وهي شيء بعيد، إلى استخدام القرية وهي شيء قريب، للاستهزاء بالواقع وماديته المقيتة التي أخذت تهدد إنسانية الإنسان وهي أغلى قيمةٍ فيه، بكفاءةٍ عالية ومتسارعة، فهو شاعر قرويٌّ ذو منهج يختلف فيه عن شعراء القرى، إذْ لا يعتني بوصف القرية والغياب في مفاتنها والتغني بجمالها وسحرها الأخَّاذ، بل يتخذ منها أبجدية ينطلق منها للتعبير عن معاني العشق والحياة والجمال في الكون وما يصبو إليه الإنسان الحقّ، ويجعلها مضادَّاً للمدينة وما تحمل من أوجه قبيحة.
ولذلك نرى أنَّ دوران ألفاظ القرية وصورها في شعره يتعدَّى وصف مظاهرها، لينسج منها موضوعاته الشعرية، وهي موضوعاتٌ اقتطعها الشاعر من روحه المتأججة دائماً، المتألمة دائماً، المشتاقة دائماً إلى الخلاص وإلى عناصر الخير في الحياة، لتساعده على رفض العالم الماديَّ الزائف من خلال اللجوء إلى الطبيعة بوصفها المصدر النقيّ الصالح للحياة، وأحياناً هي مصدر الوقوف في الماضي البعيد، والسكون دون حركة تتوافق ومسيرة الحياة المتسارعة في خطاها، فينبري الشاعر لذلك فيكشف عنه، ويعبر عن خيبة دفينة في ذاته من أجله:
يا حبيبةُ مُرِّي على الغيمِ
يأخذنا التعبُ القرويُّ
إلى تعبٍ آخر مثلنا
مُذْ وُلدنا…
ونحنُ نعيشُ مع القمح والنخلِ
أرواحُنا… لم تغادرْ ماضي القبيلةِ
في السرِّ حين يضيقُ الزمانُ بها… وبنا. ص14

























