أبـجـدية القروي العاشق

كتبها د.مقداد رحيم ، في 19 مارس 2009 الساعة: 16:07 م

 

أبجدية القرويّ العاشق

قراءة في المجموعة الشعرية "الغزالة تشرب صورتها" للشاعر السعودي علي الحازمي

 

 

                                                                                         

 

 

  كيف تشرب الغزالة صورتها؟.. لعلَّ هذا السؤال يقفز إلى الذهن بعد قراءة هذا العنوان الذي جعله الشاعر السعودي علي الحازمي لمجموعته الثالثة "الغزالة تشرب صورتها". وبعد تأمُّلٍ في بلاغة العبارة تبدو الصورة وتتجلَّى لتدلَّ على براعة الشاعر في رسم الصورة الشعرية المُبدَعة، حيث تنعكسُ صورة الغزالة في الماء الذي تقترب منه لتشربه، فإذا ارتوتْ رفعتْ رأسها، وأشاحت بوجهها عنه، فتكون قد شربت صورتها تلك على سبيل المجاز. لكنَّ القضية لم تنتهِ بالارتواء من الماء، بل تبتدئ حيثُ غياب الصورة، وهو تلاشٍ وانتهاء، وهنا تبدو إشكالية معقدة أساسها التناقض المنبني على الارتواء بوصفه إيجاباً رامزاً للحياة، وغياب الصورة بوصفه سلباً رامزاً للموت، ومن هنا نلمح جدلية الحياة والموت.

   ولكن ما حكاية الغزالة نفسها؟، وهل الصورة الذي رسمها الشاعر لها منذ العنوان هي صورة مجردة مُقتطَعة من خيالٍ لا علاقة له بالواقع؟، وهل هي صورة طارئة فرضتها لحظة من لحظات التوهُّج التي تمسك بتلابيب الشاعر ولا تنفكُّ منه إلاّ بعد أن يسجلها في ذاكرته الشعرية؟.     

    إنَّ الغزالة هي الروح… هي روح الشاعر أحياناً، وهي الروح المجردة أحياناً أخرى، وما دامت كذلك فما أحراها بأنْ تكون مصدر الفعل، أيِّ فعل، وبذلك أُبرِّرُ للشاعر دورانها في قصائده، وشيوعها بين مفرداته، وهو يُشْـبه في ذلك ما كان يفعله بعض القدامى من المتصوفة.

 

 

 

   تقع المجموعة في خمس عشرة قصيدة، لترسم بشكلٍ واضحٍ وبأسلوبٍ بليغٍ ملامحَ الحالة التي يعيشها علي الحازمي، وهي حالة عِشقٍ قروي متأصِّل في روحه وكيانه، ومستولٍ على مشاعره، طاغٍ في شِعره، ولذلك أصف عشقه بالقرويَّ.

      يقول الشاعر في قصيدته "نخلة…تسند العمر":

لأني أحبكِ

أكثر من أيِّ وقتٍ مضى

أستجيبُ لخطوِ الغزالِ على ظلِّكِ،

خلاخيلكِ

تستحثُّ جيادَ انتظاري المؤجَّلِ

في هدأةِ الوقت. ص19

   وعلى الرغم من قصر هذا المقطع فأنه يقودنا إلى عالم الشاعر الخاص والمتميز، وبه يرسم لنا صورة مقتطعة من القرية ببعض تفاصيلها الدقيقة الجميلة، فضلاً عن المعنى الذي حاول الشاعر باقتدارٍ تكثيفه بهذه العبارات الشعرية القصيرة، حيث تتبدَّى الغزالةُ هنا، وهي من ملازمات القرية، رمزاً للروح…لروح الشاعر نفسه، وقد جعل حبه المتزايد لمعشوقته شرطاً لسيلان روحه على ظلها، كما يستحضر الخلاخيل وهي من ملازمات المرأة القروية ليتخذ من صوتها، أي صوت الخلاخل الذي يفترضه في مخيلته الخصبة، صوتاً يحثُّ انتظاره المؤجَّل الذي شبَّـهَهُ بالجياد التي هي أيضاً من ملازمات القرية أيضاً، ليقرِّرَ معنى السرعة في الاستجابة في هدأة الوقت وسكونه، بينما المعشوقة في حركة متواصلة، فمن أين يكون للخلاخيل صوت بلا حركة قدميها  على الأرض؟!.

  فأنتَ ترى هنا قدرة فائقة في تكثيف الصورة وتأدية المعنى المراد بطريقة تدعو إلى الدهشة، فقد شخَّصَ المرئي والمسموع من ناحية، و المرئي والمتَخيَّل من ناحية ثانية.

   وتعود روح الشاعر تتجلَّى مرة أخرى من خلال رمز الغزالة في قصيدته "يحيك خيبتَهُ مناديلاً"، يقول:

تجلس الذكرى أمامَ النبعِ تروي للغزالةِ

قصة العطش المقيمِ على الضفافِ

وكيف لاح الغيمُ في خجلٍ على الماضي

ليُزهرَ غصنُ قامتكِ النحيلُ. 21

  فمن الناحية الوصفية التصويرية وهي ناحية برَّزَ الشاعر فيها تبريزاً واضحاً، يرسُمُ لنا صورة قروية ناصعة الملامح، حيث عناصرها الأثيرة: النبع والضفاف والغيم والإزهار الذي هو مبتدأ الإثمار، والأغصانُ فضلاً عن الغزالة نفسها. وما ذاك إلاّ وعاء لمرماهُ الحقيقيِّ، حيث تتهيَّأُ روحُهُ للغياب في هسيس الذكرى..ذكرى الحبيبة الغائبة، والشوق القديم الذي لم يكن لجذوته أن تنطفئ، وما ذاك إلاَّ بسبب الخجل الذي يلفُّ البدويَّ العاشق ويشكِّلُ ركناً مهماً من أخلاقياته، ثم يقفُ حاجزاً دون مُنـاه.

   وقد تجلَّتْ في هذا المقطع عدة عناصر قرويَّة مُشخَّصة أم مرئية لتمتدَّ بالتعبير عن عناصر أخرى مرئية أو غير مرئية، فكانت الغزالة روح الشاعر، والنبعُ مصدراً للذكرى التي بدأتْ تتسلَّلُ إليها، والعطش المقيم هو الشوق الدائم، والغيم هو الحرمان باعتبار صفته الحالية لا باعتبار ما سيؤول إليه من مطر وإرواء، والإزهار هو ذلك الخجل الذي أشرتُ إليه. وكل ذلك في أربع جملٍ شعرية.

   أما الروح المجردةُ فتتجلَّى في جملة عبارات شعرية منها قوله:

الغزالة جرح بهيج من المسكِ

في شفة الرغبة الآسرةْ

الغزالة ليل مريض يطوِّقُ صمت الحبيبينِ

حين ينامانِ في غصَّةِ القبلة العاثرةْ. ص41.

   وفي هذا المقطع يتماهَى الفاعلُ بالمفعول، فالروح هي جرحٌ نحملهُ وفي الوقت نفسه تُحس الروحُ بألم الجرح، وهي بعد ذلك كله تنفردُ بكونها مصدر أحاسيسنا المختلفة، فيشبهها الشاعر بالبهجة حيث تستولي عليها رغباتنا، ولكنها تمرضُ عند الحرمان من تلك الرغبات،  وقد لمح الشاعر بذكاء شديد علاقة المسك بالغزالة من حيث أن دم الغزال هو مصدر المسك الوحيد، فأكَّدَ بهذا التركيب العجيب شدة التلاحم بين الروح والجرح الذي هو سبب الإحساس بالألم.

  وتتبدَّى قرويَّةُ الشاعر في هذه المجموعة من خلال دورانه حول ألفاظ القرية وملازماتها فتتكرَّر لديه ألفاظُ الفراشة أكثر من عشر مرات، ومثل ذلك ألفاظ الفضة والخيل والشمس والنخل والحمام والهديل والريش، وأقل من ذلك التكرار قليلاً ورد في ألفاظ الحقل والعشب والشجر، ومتوسط التكرار يقع في ألفاظ  السنابل والقمح والمواويل، أما ما قلَّ التكرار فيه فألفاظ السدرة والينابيع والنايات، ولا نعدم شيوع ألفاظ أخرى كالقمر والسماء والتلال والجبال والسهول والوديان والتراب والأنهار والضفاف والمياه والأطيار والأزهار والأغصان والشذا والندى والسلال وأوقات اليوم وفصول السنة.

  إنَّ دوران هذه الألفاظ في جميع قصائد هذه المجموعة يوحي بأجواء القرية، ويستحضر بإلحاحٍ تفصيلاتها الملوَّنة ويستجمع عدد الرؤى والمشاهد فيها، ويؤكِّد إمَّا انغماس الشاعر في تلك التفصيلات على وجه الحقيقة، أو انغماسه فيها على وجه الخيال، والذي أُرجِّحهُ هو مرور الشاعر بالحالة الأولى بإمعانٍ ثم انقطاعه واقعياً عنها من غير أنْ يشذَّ خياله عنها، بل هو دائم الشوق إليها، مرتبط بها أشد الارتباط الروحي والعقلي، وهو لذلك يستمدُّ أبجديته الشعرية منها، والدليل على ذلك هو انسجام اللغة بمفرداتها وكأنها نبعٌ سلسال، وطواعية المعاني وكأنها عبيدٌ لتلك اللغة، وهذا هو السبب الذي يجعل من هذا التكرار لوازمَ لا تدعو إلى الملل ولا تحرِّضُ على الابتذال.

   ويبدو لي أنَّ الحازمي، أراد في مجموعته الشعرية هذه أن يؤسِّسَ لاتجاهٍ شعريٍّ يتفرَّدُ به من ناحية، ويدعو إلى الالتزام به بوصفه أداةً للخلاص من مادية الحياة من ناحية ثانية، وكأنه بذلك أراد أن يلفتَ النظر عن استخدام الأسطورة في الشعر الحديث وهي شيء بعيد، إلى استخدام القرية وهي شيء قريب، للاستهزاء بالواقع وماديته المقيتة التي أخذت تهدد إنسانية الإنسان وهي أغلى قيمةٍ فيه، بكفاءةٍ عالية ومتسارعة، فهو شاعر قرويٌّ ذو منهج يختلف فيه عن شعراء القرى، إذْ لا يعتني بوصف القرية والغياب في مفاتنها والتغني بجمالها وسحرها الأخَّاذ، بل يتخذ منها أبجدية ينطلق منها للتعبير عن معاني العشق والحياة والجمال في الكون وما يصبو إليه الإنسان الحقّ، ويجعلها مضادَّاً للمدينة وما تحمل من أوجه قبيحة.

   ولذلك نرى أنَّ دوران ألفاظ القرية وصورها في شعره يتعدَّى وصف مظاهرها، لينسج منها موضوعاته الشعرية، وهي موضوعاتٌ اقتطعها الشاعر من روحه المتأججة دائماً، المتألمة دائماً، المشتاقة دائماً إلى الخلاص وإلى عناصر الخير في الحياة، لتساعده على رفض العالم الماديَّ الزائف من خلال اللجوء إلى الطبيعة بوصفها المصدر النقيّ الصالح للحياة، وأحياناً هي مصدر الوقوف في الماضي البعيد، والسكون دون حركة تتوافق ومسيرة الحياة المتسارعة في خطاها، فينبري الشاعر لذلك فيكشف عنه، ويعبر عن خيبة دفينة في ذاته من أجله:

يا حبيبةُ مُرِّي على الغيمِ

يأخذنا التعبُ القرويُّ

إلى تعبٍ آخر مثلنا

مُذْ وُلدنا…

ونحنُ نعيشُ مع القمح والنخلِ

أرواحُنا… لم تغادرْ ماضي القبيلةِ

في السرِّ حين يضيقُ الزمانُ بها… وبنا. ص14

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الدكتور مقداد رحيم يطلق موقعه الألكتروني الرسمي

كتبها د.مقداد رحيم ، في 18 نوفمبر 2008 الساعة: 20:16 م

يتشرف الدكتور مقداد رحيم بزيارة موقعه الألكتروني الرسمي

على هذا الرابط

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عـذابـات سيد الوحشتين

كتبها د.مقداد رحيم ، في 28 سبتمبر 2008 الساعة: 12:41 م

 

 

قراءة في المجموعة الشعرية (سيد الوحشتين)

للشاعر علي جعفر العلاق

 

 

 

 

 

 

  لا ينفكُّ الشاعر علي جعفر العلاق يستمدُّ أجواءه وموضوعاتهِ من عناصر الطبيعة بنوعيها الحيّ والجامد.. الثابت والمتحرك منذ ديوانه الشعري الأول (لا شيء يحدث.. لا أحد يجيء)، حتَّى جعل ذلك ميسماً من مياسم دواوينه التالية: (وطن لطيور الماء) و(شجر العائلة) و(فاكهة الماضي)، بل تجاوزَ ذلك إلى إبداعاته النقدية، فكان من كتبه (هاهي الغابة فأين الأشجار؟)، غير أنني لن أتحدث عن الأشجار ولا عن الماء، لشهرتهما في شعره، بل عمّا تلوَّنَ به (سيِّدُ الوحشتين) من مظاهر الطبيعة وعناصرها الأخرى.

    وإذْ يلجأ إلى الطبيعة فلأنه يرى أنها ما زالتْ طَـيِّعةً لمعاني العصر الحديث وموضوعاته الآنية، كما يرى أنَّ الشعر العربي لم يستنفد طاقاتها على الرغم من استخدامه لها عبر العصور الشعرية الطويلة التي امتدت ما يقرب من خمسة عشر قرناً من الزمان، ولذلك تأخذ عناصر الطبيعة ومكوناتها عنده أشكالاً طريفةً، وينـزع فيها منازع مختلفة، في الغالب، ليعبر تعبيراً شِعرياً بليغاً عن مراميه.

   فإذا كانت صفة الحصى، وهو مكون من مكونات الطبيعة الجامدة، الصلابة والقوة في ذاته، فإنَّ علي جعفر العلاّق، يشحذ هذا العنصر ليجعله غنياً بمعانٍ أخرى متنوعة، فضلاً عن معناه الأصلي الذي يستفيد منه في قوله:

لك أن تتوهمَ

أن المتاهات أشرعة

والحصى سحبٌ

ممطرةْ.   ص7

   فيُحيلُ إلى معنى صلابة الحصى واستحالة تحوله إلى مادة سائلة، ليكون ذلك معادلاً موضوعياً لحالة الوهم، ومخالفة الواقع، وقد ينعكس الأمر لديه فتتحول المادة اللينة إلى حصى: (طيور الحصى تأكل عينيه. ص20)، غير أنه استخدم الحصى في مواضع أخرى من هذه المجموعة ليحيل إلى معانٍ أخرى كالاختناق والوحدة كآبةً: (وحيداً يرى أيامه تمضي:/ الحصى جاثمٌ على أغانيه. ص19)، والهدوء والسكينة حزناً: (اهدئي، يا طيور المنافي/ لوِّحي لبلاد الأسى بالدموعْ. ص27)، وأرض الوطن حبَّاً وتعلُّقاً: (حجبتها الحروبُ/ أدنو فتمضي مثلما الغيم/ كم غسلتُ حصاها بالشذا. ص39)، والجدب والفقر: (الحقول حصى. ص55) مقابل الخير والغنى: (بلاداً قديمةً:/كنتُ أنمو بين غزلانها/ أكان حصاها/ فضةً في دمي تُضيء؟. ص72)، وتضحيات بلا طائل: (تمضي لتأتي/ ليس إلاَّ الذئاب تسطعُ/ في الليل: دماءٌ على الحصى/ وغناء على النعوش. ص41)، مقابل طقوس اعتقادية: (ثَمَّ نساءٌ يبتهلنَ/ إلى الحصى، ويغنينَ.. ص74).

   وليس الحصى كالحجر الذي استحضره الشاعر لينفذ منه إلى معنى انكفاء الدلالة القديمة على دلالة جدية هي سلبية دائماً عنده لا تتعدى فقدان قيمة إيجابية ذات أهمية، فيداه أصبحتا متصلبتينِ حيث لا نماء، بينما يورقُ العكّازُ بينهما، وهذه صورة من صور التحول التي يريد بها الشاعر إتمام المشهد السوداوي الكئيب الذي يغلف وحشة روحه… صورة تكشف عن تناقض مخيف مؤلم: (مورقٌ عكَّازُهُ الأعمَى/ وأحجارٌ يداه. ص6)، وقد أضاف صفة العَمَى للعُكَّاز ليجعل الصورة أكثر تأثيراً وعُمقاً ودلالة، فضلاً عمَّا جنحَ إليه مِن تركيز تبادل الوظائف بين الأعمى وعُكَّازه.

   وفي قوله: (لغتي من حجارٍ، وغائمةٌ/ شفتايْ. ص55) يرسم الشاعر ملمحاً آخر من ذلك المشهد القاتم عندما يصف لغته بعدم القدرة على التعبير والنظم، لضياع مدلولاتها في مثل حالته، كما أنَّ الحجار تصلَّبَ فلم يعد قادراً على التحلل والتركُّب، وفي كلتا الحالتين يكون التحوُّل من السيولة إلى الصلابة، ومن الإيجاب إلى السلب، وحتى في قوله: (ولماذا كلُّ شيءٍ حجرٌ/ مكتئبٌ أو ورقُ؟. ص12-13)، فالسؤال هنا يعبّر عن اندهاش الشاعر من كون الأشياء جميعاً حجراً، وإنكارهِ لهذه الكينونة التي هي استحالة سلبية دلَّ عليها الاندهاش والإنكار.

    وتـتجلى (البئر) في عدة دلالاتٍ، ليس منها ما هو إيجابي:

1-   كيفَ أوغلتَ؟ حفرتَ البئرَ حتّى

بكت الإبرةُ، واشتدَّ عليكَ الليلُ

حتى اختلط الحابلُ بالنابلِ، والموحشُ

بالآهلِ، حتى بلغتْ حيرتُك الكبرى/

مداها، فلماذا

يأسك الوارفُ لم يبلغْ مداه؟    ص5-6

2-   عمِّقوا البئرَ،

ونادوا الذئبَ

من أقصى النوايا المظلمةْ

حاصروا كلَّ دروب الريح:

لايدخلْ

إلى مكمنه المائيّ نجمٌ،

أو إلى عزلتهِ المزدحمةْ

حجرُ الضوءِ.. /

تعبنا

لتكن آخرَ بئرٍ هذه البئرُ،

 

ترابٌ أم فوانيسُ من

اللوعةِ والياقوتِ؟

ليلُ البئرِ غربانٌ من الفولاذِ تنقضُّ

على يوسفَ: هل يوسفُ

طفلُ البئرِ أم حيرتُنا

الكبرى؟   

………

ضوءٌ يغتلي في البئر، رشّوا

مطرَ اليُتمِ على أطفاله الغافين ص23-24

3-   هل تمتلئ الآبارُ بالوحشةِ أم

بالضوءِ؟

أقمارٌ مدمَّاةٌ

سماواتٌ

من الأشلاءِ، مَن كان قتيلَ

البئرِ، يا يوسفُ:

فجرٌ همجيٌّ ورياحٌ مُبهمةْ   ص25

   ففي النص الأول تكون البئر متاهةً لا تُفضي إلى طائل، وفي النص الثاني تتبدَّى يأساً مفضياً إلى حيرة كبرى، وفي النص الثالث هي ضياع وعلامة استفهام ما وراءها مِن جواب بحسب ظاهر القول.

   أما الريحُ فتأخذ حيِّزاً كبيراً من هذه المجموعة، ولنْ تختلف في دلالاتها السلبية عن العناصر الأخرى، فهي سبب الخطر والكوارث والمؤذن لها: (حاصروا كلَّ دروب الريح. ص 23)، و(فجأةً: داهمتنا الريح/ وانكسر النهار. ص77)، و(مثل البدايات تصعدُ/ أي الينابيع تدفعها صوبَ هذا الرماد المشاكس؟ أية ريحٍ تؤجج ماءَ أنوثتها؟. ص52)، وهي الفتنة والبلاء والطغيان: (ماذا تحملُ الريحُ إلى بابلَ؟ ص26)، و(أي ريحٍ/ تهبُّ من موطني الذبيح؟ ص62)، و(ملكاً كنتُ على الريحِ/ وكانت بضحايايَ تموجُ الطرق. ص11)، وهي الوحشةُ والتشتتُ والضياعُ والمتاهةُ والموت والقاتل والضحية: (يتُها الريحُ الخريفيةُ/ يا قُبَّرةَ الوحشةِ، مَن أيقظك الليلة؟. ص6)، و(مراكب تترى: فمِنْ عائدٍ/ تقتادهُ الريحُ،/ ومِن راحل. ص19)، و(أيّ السلالات نحنُ؟: قبائلُ للرملِ أم للهزائمِ؟ للريحِ أم للضجر؟. ص85)، و(كيفَ أوغلتَ؟ حفرتَ البئر حتّى بكت الإبرةُ واشتدَّ عليك الليلُ/ حتى اختلط الحابل بالنابل، الموحشُ/ بالآهل. ص5-6)، و(غرقنا في دم الريحِ. ص77)، و(فجأةً/ تتخطفها الريحُ. ص53)، و(نشيد قاتمٌ ينهشُ لحمَ الريحِ. ص25).

   وهي بَـعدُ رقيب شامتْ وقوة شريرة دائمة الشر ولا تصلح لجنى الورد: (وهل تنـتهي شماتة الريح؟. ص20) و(الريحُ لن تهدأ. ص20)، و(سألنا الريحَ/ هل حملت إلى قصائدنا ورداً؟/ وهل كسرتْ عاداتها؟. ص46).

   ويستخدم الشاعرُ الريحَ ليرسمَ صورة دقيقة الملامح لواقعٍ متبدِّل، استحالَ فيه الفرح حزناً، والعشب جدباً، والقربُ بُعداً:

1-             كنا مضيئين،

بل كنا نفيضُ أسىً

وغبطةً، وتُغنّي

حولَنا الريحُ    

نُعاسنا مُمطرٌ

عُشباً،

ويقظتنا غَمامتانِ

و

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أسئلة الحافيات

كتبها د.مقداد رحيم ، في 28 سبتمبر 2008 الساعة: 01:12 ص

 قراءة في رواية “الحافيات”

للروائية دينا سليم

                                    

   مازالت الروائية دينا سليم مولعة، منذ “الحلم المزدوج” حتى “الحافيات”، بتقنيتي الاسترجاع بنوعيه الداخلي والخارجي، وتعدد الأصوات وتداخلها في السرد الروائي، ولكنها في “الحافيات” استطاعت أن تضيف تقنية ثالثة وهي تداخل الشخوص الروائية، إذ انتقلت من شخصية وداد في الجزء الأول من الرواية إلى شخصية شروق في الجزء الثاني منها، وكأن الثانية امتداد للأولى، وهو امتداد زمكاني، حيث الشرق، وهي فيه تلك المرأة العربية مهضومة الحقوق، مستلبة الإرادة، المهزومة تماماً حيناً، والمنـتصرة أو مدعية الانتصار حيناً آخر، وحيث الغرب، وهي فيه الهاربة الراغبة في الخلاص، وفي كلتيهما يختلط صوت البطلة بصوت الكاتبة نفسها.

    وهي إذْ تلجأ إلى المكان بوصفه الإطار المادي الذي تدور فيه الأحداث المروية فإنها لم تولهِ العناية الكافية من التوصيف الدقيق ليكون معيناً للقارئ على تكوين الصورة بأبعادها الدقيقة  والكاملة، كما استخدمتْ الزمن بأبعاده الثلاثة.

   وتتخذ الروائية من المرأة العربية جنساً عاماً ترمي من خلاله إلى الحديث عن النساء عموماً، ولذلك لم تستخدم صيغة التثنية وهي تتحدث عن بطلتي في الرواية جزأيها، لأنها اختصرت في شخصيتي هاتين البطلتين ما أرادتْ أن تميط اللثام عنه مما تتعرض له المرأة العربية عموماً من القهر، وأن تستبطن جانباً من واقعها القاسي ومعاناتها المريرة في مجتمعها، فتكشف عن خيبتها في امتلاك عواطفها واختيار الحبيب، وعن فشلها في بيت الزوجية واختيار الزوج، وهي مطالبة بالتضحية اللامتناهية من أجل بناء الأسرة والحفاظ على تماسك العائلة وكأنها هي المسؤولة الوحيدة في ذلك كله. كما تنجح الرواية في رسم صورة دقيقة للموقف من المرأة في هذه الجوانب الحيوية، وما يمكن أن تتعرض له من حيف وظلم لقضايا ليس لها ذنب فيها، كقضية عدم الحمل، حتى إذا لم تكنْ عاقراً وكان الزوج هو العقيم!.

   وفي خضمِّ هذه القضية التي تبدو شائكة ومعقدة في المجتمع العربي، وأعني قضية الإنجاب، لا تكتفي دينا سليم بالكشف عن إذعان بطلتها وداد في القصة الأولى كزوجٍ إلى التسليم بالسكوت على تدليس الحقيقة، والاعتراف بعدم القدرة على الإنجاب، بل تتعدى ذلك إلى محاولة أهل الزوج للتحكم بجنينها وإجبارها على الحمل، من خلال زرع حيامن رجل مجهول في رحمها في معهد أُعِدَّ لهذا الغرض (بنك الزرع)، وما يمكن أن يتبع ذلك من آثار نفسية لديها، واجتماعية لدى أهل زوجها فيما بعد، في حين تأخذ الرجل وأهله نشوةٌ، وهي بدون شك، نشو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الـعـاشـق والـمعشـوق فـي

كتبها د.مقداد رحيم ، في 13 مارس 2008 الساعة: 21:40 م

العاشق والمعشوق في (ألم المسيح ردائي)

 

 

                      الدكتور مقداد رحيم

 

  يتجلى المعشوق مخلوقاً أسطورياً في قصائد الغزل العربية، يُحاط بوشاح من القدسية، ولا يُدرَك إلا آسراً مَنيعاً، وقادراً مُتحكِّماً، وهو مع ذلك مرغوبٌ مطلوب، مقبولُ الفتنة، مسوَّغُ العبث بالأفئدة، واللهو بالراحات والأرواح، مُسامَحٌ على ما يقترفه من هنات وهفوات، يستمد قدسيته مما للعشق من قدسية … العشق الذي بلغ الشعر فيه مبلغه القصيًّ حتى سُمح بروايته في دور العبادة، وحتى صار للموت سبباً، فصدَقَ رجلٌ من عذرة حين قال: "نحن قوم مَن بلغ منا العشقَ مات"!.

  ومن مفاخر هذا الاتجاه من الشعر أن القول فيه من لدن المرأة لم يكن مستنكراً منذ طفولة الشعر العربي، وقد بلغت القرنين من الزمان قبل الإسلام على رأي الجاحظ، وأبعد من ذلك على رأيي أنا، ومَن يقرأ الكتب التي وضعها المؤلفون المشارقة القدماء في أشعار النساء، فضلاً عن كتب الأمالي وأخبار الأدب والأدباء، أو كتب التراجم الأندلسية والمغاربية فإنه سيتبين ذلك، بعد أنْ يبلغ منه العجب مبلغاً.

ولماذا العجب؟

ذلك لأن هذا الغزل النسوي، وأقصد شعر العشق السامي، لم يقتصر على فقيرة دون أميرة، ولا على متفقهةٍ دون فقيهة، ولا على الرعاع دون العِلية، ولأنه صار فيما بعدُ ذكورياً أسوةً بالمجتمع، فحُجبت المرأة عن القول فيه، أو حُجِبَ عَـنَّـا ما قالـتْهُ، فامتنعت الكتب عن روايته، بعدما انحسر رواته، وقلَّ مَعينُهُ، وزاد ظُلم الرجل للمرأة، حتى عصفت بالشرق عصور متأخرة سُمِّيتْ مُظلمة، فاشتدتْ معها ظُلمة شعر الغزل النسوي وشهدتْ انحساره جُملةً، إلا في القليل النادر.

  وإذا كان مما يميز الشعر العربي الحديث ويَسِمُهُ بالتطور فذاك هو هذا النوع من الشعر، فصار له شواعر معروفات مشهورات، ودواوين تتناثر هنا وهناك في مكتبات أغلب أقطار العالم العربي الإسلامي، ثم صارت الشبكة العنكبوتية عنكبوتاً له. ولا أبعُدُ قبل أنْ أشير إلى شاعرة مائزة من شواعر العصر هي الشاعرة الإماراتية فواغي القاسمي وبين يديَّ ديوانها (ألم المسيح ردائي) الذي صدرت طبعته الثانية هذا العام (2007).

  تبدو فواغي القاسمي في قصائد هذا الديوان عاشقة من درجة رفيعة، إذْ تحتفي بالعشق أيما احتفاء، وتُدني إليه مخابئ الروح، وتسعفه بنبض القلب، وتُديم الحنوَّ له، والسهر عليه، وتخلصه لمعشوقيها… هل قلتُ معشوقيها؟.. نعم، قد فعلتُ، فهي تختزل العشق في ذاتها ليتسرب منها في اتجاهات متعددة بتعدد المعشوقين. وأول المعشوقين الله جلَّ جلاله، وهي تقدِّمه في ديوانها على سواه في المنـزلة فتجعله الأول في الترتيب، فهو الواهب، والعشق من بعض هباته، ومكامن قدراته، ولذلك توجَّب إدراكه من خلال الذات، ثم التوحد في ذاته:

وأبصرتُ فيك إلهي جلالاً…….. ومن ملكوتك أبصرتُ نفسي

تجلتْ لعيني حقيقة كوني……… وأنك عينُ يقيني وحَدْسي

وأنك نور الورى السرمدي…… تنـزه عن كل أمر بلبس

فوحدتك الله رباً عظيماً……… تمجد في القدس عن كل قدس

وأيقنتُ أنك في الكون كلّ…… فذاب بذاتك روحي وحسّي

  ولاشك في أن الشاعرة هنا تغترف من معاني من سبقها من المتصوفة الذين جعلوا لمفردات العشق معانيَ خاصةً بهم وحدهم، وبالحب الإلهي وحده، لتصير فيما بعدُ مصطلحاتٍ وُضعتْ فيها الكتب، وأصبحتْ وما تدلُّ عليه عِلماً من العلوم، كما وُضعتْ في غزلهم الصوفي الدواوين الخاصة.

وهناك قصائد أخرى في هذا المعشوق في أماكن متفرقة من الديوان، مثل "شهيد الحب".

   وثاني المعشوقين في صفحة قلب الشاعرة الوطن، فهو الملهم والراعي للعشق، وهو مكانه وزمانه، فحقَّ الإخلاصُ له، والتض

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مـقـدمة كتــاب "الـحـروفـي"

كتبها د.مقداد رحيم ، في 13 مارس 2008 الساعة: 21:08 م

 src=http://www.alnoor.se/images/gallery/galleryin/news/news_5/8.jpg

هذه باقة من الجهود النقدية المهمة التي تضافرتْ لتشكل خلاصة نقدية مثمرة طيبة الأُكُل، ولتكون أنموذجاً نقدياً يُمكن أنْ يُحتذى، فيُصار إلى افتراع اتجاهات نقدية جديدة تأخذ على عاتقها بلورة الرؤى حول التجارب الإبداعية المائزة، ليس في مجال الشعر وحده، بل يمكن أن تُعمَّمَ لتشمل الفنون الإبداعية كلها، كتابةً ورسماً ونَحتاً وسَماعاً.

    أما هذه التجربة فهي تجربة الشاعر أديب كمال الدين الذي اختطَّ لنفسه طريقاً عسيرةً تتماشى عُسرتها وما في هذه الحياة من تعقيدات وإشكاليات تتجلى عبرها أصناف لا عدَّ لها من المحن والكوارث التي ليس للبشر قِبَلٌ بتحملها، وقد رأى الشاعر أنَّ النظر إليها بالطرق المعهودة لا نفع فيه وهو يَنشُدُ الطرافة وابتداع الوسائل الكفيلة بالتغيير الذي هو سمة الحياة في كل زمان وفي كل مكان، فلفتَ إلى تجربته أنظار النقّاد فضلاً عن القرّاء ومحبي الشعر.

  تتجلى هذه التجربة فريدةً ذات خصوصية تدلُّ على الشاعر وحده، وتختص به دون سواه، وقد بدا وكأنه يعمل من أجلها بإخلاص وحب شديدين، منذ زمنٍ ليس باليسير، فأخذ يُغذِّيها بكل ما استطاع مِن قوةٍ استجمعها خلال حياته كلها من مفردات التعلم والثقافة والتجارب، ولم يبخل عليها بالسهر والتجريب، حتّى شَكَّلتْ ظاهرةً في الشعر العربي الحديث، كما شكَّلتْ الظاهرةَ الكبرى في شعرهِ هو، حتّى ليكادُ المتتبعُ يُشفق عليه لظنه أن لهذه الطريق نهاية، وأن لليل أحاديث سيقطعها بزوغ الصباح، حتّى يكتشف أنْ لا صباحَ وراء ليله، ولا انقطاع لأسماره!

   إنَّ خصوصية تجربة الشاعر وَلَّدتْ ما اصطلح عليه النقاد والمهتمون بأمور الشعر العربي الحديث، وشعره خاصةً، بـ(التجربة الحروفية)، حتّى أصبح لصفة (الحروفي) وقعها الخاص الذي يدلُّ على الشاعر أديب كمال الدين وحده، وحتّى صار مناسباً أن تكون هذه الصفة عنواناً لهذا الكتاب!.

   تناول ثلاثة وثلاثون ناقداً تجربة الشاعر وشعره في تسع وثلاثين مقالةً تضمنها الكِتاب وتوزعت على ثمانية فصول، تناول الفصل الأول التجربة الحروفية بشكل عام، بينما توزعت الفصول الستة التالية له على مجاميع الشاعر الشعرية (ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة) و(حاء) و(النقطة) و(أخبار المعنى) و(نون) و(جيم)، بينما اشتمل الفصل الثامن الأخير على آراء متفرقة لبعض النقاد حول الشاعر وشعره.

    ففي إطار التجربة الحروفية يرى الدكتور ناظم عودة "أنّ النقطة بوصفها رمزاً تختلف ما بين الحلاج وأديب كمال الدين، لأنّ الحلاج يمتلك تجربة صوفية تتمثل في سلوكه الروحي بخاصة، وفي كلامه بعامة، في حين أن أديب كمال الدين لا يمتلك تجربة صوفية شعرية، فهو يستعير من التجربة رموزها حسب. ثمة فرق بين طبيعة النقطة ووظيفتها عند كل من الحلاج وأديب كمال الدين، الأول يدخلها في حيّزه اللساني والحدسيّ، لتكون علامة وموضوعاً في آنٍ، والثاني يدخلها في حيّزه اللساني حسب، لكنه لا يستطيع أن يموضعها في مجاله الحدسيّ، فهي تتشتت بين نوازع وجدانية مختلفة"، بينما يرى الدكتور مصطفى الكيلاني أنّ رجوع الشاعر "إلى أصل اللغة محاولة جريئة لا تخلو من أخطار لاستقراء جينالوجيا المعنى في تاريخه الأول الكامن في راهن الكلمة وسعي إلى إنشاء مستقبل لماضٍ أنتج قيمة لكائن استطاع أن يحوّل الأشياء إلى رموز دالّة بذاتها في حضور التكلّم وفي الغياب، وفرار من رعب اللحظة حيث فراغ الامتلاء الكاذب وفوضى النظام المستبد وتخبّط الفرد في الفراغ"، بينما يعد علي الفواز هذه التجربة هاجساً من طراز خاص للمغامرة ورغبة كامنة في كشف خطابه الشعري على نوع من الإباحة في التصريح والمفارقة الشاقة بين محموله اللغوي ولعبته الرمزية التي عمد فيها إلى تداول الحرف كمجسّ لحركة الرؤيا بحثاً عن أصل اللذة وتمثلها في المجال الرمزي من خلال تعدد صور الخلق في البنية النصية للغة والجسد والدين والأسطورة. فهو حريص على تشكيل علاقة بنائية في هذا المجال، يستحضر فيها الكثير من الثنائيات التي تجعل لعبته الشعرية مجذوبة إلى الاستغراق في عملية تقابل وترميز متوالية  ولعبة  توليد لا يجفّ فيها المعنى عن إنتاج صوره ودلالاته. وهذا التمثل الشعري يجد له نسقاً بشكل ووظيفة هما فضاؤه الاستعاري الذي يشكّل فيه هاجسه في المغامرة مثلما هو مجاله (الكنائي) الذي يعيد فيه استعادة لاشعوره وبواطنه الداخلية ليس بمواجهة المجال الاستعاري لجملته الشعرية، بقدر ما هو محاولة لتشكيل  نصوص موازية في نثريتها تحيل دائماً إلى الإشارة والتأويل وطقس اللذة وروح الجسد المتمظهر بقوة الخصب. وبهذا فإنّ الشاعر يتعامل بحساسية فائقة مع دلالات الحرف وشفرته اللغوية باعتبارها المادة الحية التي تحيل الشاعر إلى العالم الخارجي وهو يبادل أدواره في المعنى أو الصورة. وإزاء هذا يجد الشاعر نفسه دائماً في فضاء من الدلالات التي تمارس لعبتها في تفكيك بنية الجملة الشعرية الصورية إلى بنيات ثانوية يمتزج فيها الهاجس الصوتي مع التشكيل الصوري لينسجا تشكيلاً أشبه بتشكيلات الحروفيين في الرسم، إذ يكتسب الحرف الأيقوني والحرف الموصول مع اللون والكتلة صفات حسية وذهنية مثلما يحيل نفسه إلى بنية صوتية هي في جوهرها النداء الخفي الذي يلامس المعنى والروح.

   أما وديع العبيدي فيرى أن هذه التجربة هي تعبير عن العجز عن تغيير الواقع أو حرف مسيرة الدمار ورفض التسليم بمنطق الشرّ، وقد  دفع هذا العجز إلى إيمان منقطع بالكلمة [أقرر أن أبعث كلماتي حتّى يعتدل العالم (مجموعة أخبار المعنى)] وإلى إعادة صياغة مسرح الكارثة والمأساة كما في مجموعة (نون) [ حبّكِ ناطحةُ سحاب/ حلمتُ بها/ وخططتُ لها وبنيتها طابوقةً طابوقة/ وحين أكتمل البناءُ العظيم/ نسفتُها من الأعماق.] أو الخروج من الراهن للدخول في متاهات المطلق والمغيوب التي مثلت المستوى الآخر (اللذيذ) في معالجات الشاعر للأحداث والمتوزعة في تلافيف قماشته الشعرية الواسعة وتماهياته أو تناصاته الصوفية والدينية ممثلة في قصيدة (أنا وأبي والمعنى) من مجموعة [أخبار المعنى]، كما كانت مجموعة (حاء) تمثل، من وجهة نظر العبيدي، تجاوزاً لمرحلة الخوف والحرمان والحرب والحصار، لتضمنها رؤية تأملية ذات منزع ذاتي، استعرضت ما ضاع مما بقي، وأفرغت شحنات متأخرة من ظلمات الجحيم، فهي أكثر نزوعاً بذلك إلى استلهام السيرة أو استذكارها وأكثر انفتاحاً للحبّ.

ويتناول الفصل الثاني من هذا الكتاب آراء النقّاد في تجربة الشاعر في مجموعته الشعرية (ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة)، ويستهله الدكتور عبد الإله الصائغ بدراسة معمقة، يشير فيها إلى قدرة الشاعر أديب كمال الدين على خلق شعريته الخاصة من جهة التعامل الدؤوب مع الحرف والنقطة حتّى أنسن الحرف وأنسن النقطة! وصار الحرف لا يُقرأ حرفاً خالصاً كما يراه الآخرون، وإنما يُقرأ الحرف كما يراه الشاعر! وليس ثمة سوى التشفير أحياناً والتماهي مع الحرف أخرى وتمجيز الحرف ثالثة في فضاء لانهائي تتوحد فيه الأصوات والمرئيات والمشمومات والمجرات والحبيبات حتّى يعسر وضع حدود بين المحدودات! ويفترع الصائغ مصطلح (الحرفنقطة) لعالم الشاعر الشعري الذي يُخلِّق منه كل مفردات القصيدة، بل كل مفردات التجربة الشعرية لديه.

وقد رأى الدكتور حاتم الصكر في تجربة الشاعر الحروفية مُراجعةًً  تدرجت وتطورت من البدايات حيث الانبهار بفكرة استضافة القيم الحروفية وإنشاء ما يشبه الميتانص الأبجدي الذي يراقب فيه الشاعر وجود الحروف وهيآتها التركيبية في الكلمات والجمل منشغلاً بذلك عن معانيها ودلالاتها وما يمكن أن توصله أو تحمله من صور وأخيلة، ليستطيع من بَعد تفجير طاقاتها الجمالية الصورية والتعبيرية، مع اقتراض فرضيات صوفية ـ إشراقية غالباً ـ حول وجود الحرف في القصيدة والروحانية التي نظر بها الصوفيون للحرف والنقطة، لاسيما في المفاهيم الحلولية حيث يشبّه الصوفيون المخلوقات بالنقط الممتدة من ـ أو المنبثقة عن ـ النقطة الأولى أي الخالق الذي فاضت عنه وامتدت في خط الوجود الذي هو عبارة عن مجموعة نقاط، إذا فصلت أياً منها فلا يعني ذلك انقطاعها عن النقطة الأولى، بل هي لا تمتلك وجوداً منفصلاً خارج هذا الوجود الخطي الذي تظل تهفو للعودة إليه والاتحاد به كما تحن القطرة لبحرها الذي تبخرت من مائه.

   كما وجد فيها مظاهر تشكيلية نمت في الرسم العراقي وانتباهاً للبعد الفلسفي المعمّق الذي توحي إليه هذه المظاهر، فضلاً عن المؤثرات الصوفية ولاسيما تجربة التوحيدي الإشراقية والحفرياته الجمالية والفلسفية في دلالات الحروف ووجودها الجفري والروحي، وأشار إلى انغماس الشاعر في حروفياته الشعرية دون أن يبدو ذلك مُقحماً أو غير مستساغ.

وقد حاول الناقد الدكتور مصطفى الكيلاني أن يقدم عملا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ثلاثة كتب جديدة للدكتور مقداد رحيم

كتبها د.مقداد رحيم ، في 29 مايو 2007 الساعة: 15:29 م

                 

نقد الشعر في الأندلس

 

·       عن دار أزمنة في العاصمة الأردنية عمّان صدر كتاب (نقد الشعر في الأندلس ـ قضايا ومواقف) للدكتور مقداد رحيم المتخصص بالأدب الأندلسي ونقده. يتضمن الكتاب عدة قضايا منها: تعريف الشعر، و غاية الشعر، و بواعث الشعر، و الطبع والصنعة، و طبقات الشعر، وأنماط الشعر، و النظم والأسلوب، و المفاضلة بين الشعراء، و موقف الإسلام من الشعر. لوحة الغلاف للفنانة التشكيلية المصرية انتصار نادر.

 

رثاء النفس في الشعر الأندلسي

 

·       كما صدرَ له عن دار جهينة في عمّان كتاب (رثاء النفس في الشعر الأندلسي). يقع الكتاب في مقدمة وأربعة فصول، يتناول الفصل الأول تاريخ رثاء النفس في الشعر الأندلسي وأهميته، و يتناول الفصل الثاني بواعث رثاء النفس في الشعر الأندلسي، ويتنا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الصحافة الورقية ورصاصة الرحمة

كتبها د.مقداد رحيم ، في 6 أبريل 2007 الساعة: 02:46 ص

 

 

    زعمَ بعضُ أصحاب الفضل أن الصحافة الورقية تتلقى بصدرها الرحب رصاصة الرحمة وتلفظ أنفاسها الأخيرة على يد الصحافة الألكترونية!.

متى كانت هذه الرصاصة؟.

وأين القتيل؟.

أما زالت الصحافة الورقية بخير؟.

أما يتمنى ثلاثة أرباع كُتّاب الصحافة الألكترونية النشرَ في صحيفة ورقية لو أُتيح لهم ذلك حتى هذه الساعة؟.

- بلى.إنَّ للصحافة الورقية هيـبةً وجلالاً، وإنَّ لها فخراً وتاريخاً، وإنَّ لها نكهة وتقاليد. صباحاتها مشحونة بالرغبة والأمل: هل سيظهر موضوعي هذا اليوم يا ترى؟، وطلعاتها

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

رثاء النفس في (خدعة الغامض)

كتبها د.مقداد رحيم ، في 26 مارس 2007 الساعة: 23:13 م

قراءة في المجموعة الشعرية "خدعة الغامض" للشاعرة السورية  فرات إسبر*

 

 

       

 

   تدور الشاعرة فرات إسبر في دوامة الأنا، فترى الأشياء جميعاً من خلال ذاتها، وعلى الرغم من غموض هذه الذات، كأي ذات بشرية أخرى، لِما للعقل وتعقيداته مِن أثر في ذلك، فإنَّ الشاعرة لا تجنح إلى التعقيد في شعرها، ولا إلى الغموض، على الرغم مِن أنها تؤمن إيماناً يبدو مُطلقاً من خلال نصوصها بأنَّ الغموض يلفُّ هذه الحياة التي تحياها، ولعلَّه وجه من وجوه الخدعة، أليس هذا ما يُوحي به عنوان مجموعتها الشعرية "خدعة الغامض"؟.

   وفضلاً عن عنوان هذه المجموعة الذي ينصُّ على الخديعة مقترنة بالغموض، فإن عدداً من قصائدها ينصُّ على الخديعة بشكل يبدو لا إرادياً من لدن الشاعرة، فتقول في قصيدتها (من دخل قلبي فهو آمن): " نهر الخديعة/ والراءات تُتلى/ باسم الأديان/ افتحوا الأبواب/ الصحراء تجرح ثوب الرمل ص10"، وتقول في قصيدتها (تحت شجرة ظلك): "أحلامنا الخافتة،/ ينسجها الضوء من تعب النهار/ صوتها لا يعرف غير الخديعة/ تكتبنا بها، أسرارنا الغافيات ص28"، وتقول في قصيدتها (بزيت منك بللْ إصبعي): "التواريخ التي سجلتْ/ بماء الذهب/ زيف وخداع ص37"، وفي قصيدتها (خدعة الغامض) تقول: "سأبقى خدعة الغامض/ ولهفة المشتاق ص39"، كما تقول في قصيدتها (الذي جاء معي): "جسد الليل، غموض النهار/ يرسم الخطى بأهداب السواد/خيط ضوء لا يُرى ص61-62"، أما قصيدتها (كاشفات الغيب) فتجمع فيها بين الخدعة والغموض فتقول: "يوم الطوفان،/ خدعة الغيب العظيم/ سأفتح قلبي لكاشفات الغيب/ابتسامات غامضة سقطت/ خرج معها الموتى الذين أحببتهم/ مع موسيقى الحفاة على الرصيف المقابل من قلبي ص87-88".

  وأرى أن دوران هذا المعنى في شعر فرات إسبر يؤكِّد معنى الخوف من المجهول الذي يبدو أنه صار مألوفاً في حياتها، فكل مجهول غامض، وكل غامض هو كالخديعة، حيث لا يعرف المرء ما وراءها حتى يقع المحذور من أمرها!. وها هي تقول:

ليس عندي ودع أضربهُ في الأرض،

كي يُظهرَ الرمل ما يُخبئه القدر. ص 28

   ويتجلَّى هذا الخوف تجلياً بيِّـناً في موقفها من الموت، إذْ يتردد ذكره كثيراً في قصائدها على أنحاء مختلفة، بل لقد رثتْ نفسها بنفسها في عدد من قصائد هذه المجموعة جعلتها خاصة بهذا الغرض دون سواه، وهي: (إلى أين ستأخذني ص45)، (نسّاج الآلام ص68)، (رائحة ما زالت عالقة في الهواء ص76)، و(رأس لا يريد أن ينام ص92). وفيما عدا هذه الرثائيات تناثر ذكر الموت في أغلب قصائدها كرثاء غير مباشر لتلك النفس.

  تهتم الشاعرة بتوصيف إجراءات الموت وهي تستقبله وترثي نفسها في قصيدتها (إلى أين ستأخذني)، حيث التابوت والكفن الأبيض، والحمل على أكتاف المشيعين، والدفن، وحساب القبر، ورؤية الملائكة، وشاهدة القبر الرخامية، ومفارقة كل شيء مما هو على الأرض:

إلهي

عندما أخلع ثيابي

وحذائي

وأتمدد في الصندوق الخشبي المستطيل

ويحملني أقاربي

أو أصدقائي

أو الغرباء

أو لا أحد

إلى أين ستأخذني؟

إلهي

وأنا  محمولة على الأكتاف

وأرتدي ثوبي الأبيض

أكون قد ارتفعتُ قليلاً عن الأرض

الأرض التي لم تعطني مكاناً. ص45-46

    وفي قولها مخاطبة الله سبحانه وتعالى (إلى أين ستأخذني)، علاقة بذلك الغموض الذي هو وجه من وجوه الخديعة، أو ربما هو وجهها الأوحد، لأنها، مثل بقية البشر المؤمنين باليوم الآخر، لا تعلم إلى أين سيؤول مصيرها بعد الموت، وبذلك فإن الحياة من وجهة نظرها ليست إلاَّ خُدعة!، ومن هنا يتجلى شيء أساسي من موقفها من خدعة الغامض!.

   وفي قصيدتها (شيء ما يشبه البكاء) يتركَّز الموت في ذاتها فيصير امتداداً لموت الآخرين:

يدك التي ترتجف أمامي

هي

التي منحتني الدفء

أهدتني رطوبة الحرائق

وما زلتُ في عداد الموتى

والمفقودون كلهم "أنا".

يدك التي مددتها

من قبلك لتحضن رفاتي

كانت في الليل

في الليل توقظني

على فزع

توقظني

ولم يطلع النور بعدُ

أقدام الليل تتعثرُ بي

وتسألني أنتِ عتمتي أم أنا؟

كل التوابيت التي مع الفجر

كنتُ بها كفناً

مع الذين عبروا إلى الضفة الأخرى.

….

أنفض الغبار عن الوجوه

أمد يدي إلى الكفن

الإرث الوحيد لمن بعدي

ولمن عبر.

      أما في قصيدتها (كاشفات الغيب) فتصف الموت منذ مغادرة روحها جسدها، في إطار العلاقة بينهما، فتقول:

خرجتْ روحي

وبإيمان متصوفة أعلن الحداد

سأوزع لها مع الرياح أوراق العزاء

وأعلق الصور في ذاكرة الموتى

على شواهدهم سأكتب:

وداعاً أيتها الروح التي لم تجد بيتاً تسكنه

أيتها الطريدة في مهاوي الجسد

الساحرة التي لا تخضع لقانون

سأجمع أوراقك التائهة

من قلب امرأة سوداء

سأعلن عنك في مواسم التيه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قصيدة النثـر …لماذا؟

كتبها د.مقداد رحيم ، في 10 فبراير 2007 الساعة: 21:51 م

 

 

 

قصيدة النثر… لماذا؟

 

    خَطتْ قصيدة النثر خطواتٍ طويلةً، واستقطبت أعداداً كبيرةً ممن استهواهم التجريب في عالم الكتابة الإبداعي، فكتبوا وأطنبوا، وأصبحوا شعراء، فما دام النص الذي يُكتبُ يُسمَّى قصيدة فلماذا لا يُسمَّى        كاتبه شاعراً.. هذه الكلمة الساحرة في العقل العربي ومزاجه، بل في تاريخه وموروثه الثقافي والحضاري أجمع.

    وقصيدة النثر نصٌّ تتوفَّر فيه الشِّعْـرية والموضوع، أو هذا ما ينبغي له، ولكنه يخلو مِن شَرْطَي الشعر الآخرَين: الوزن والقافية، وهذان الشرطان هما اللذان  حددهما العرب القدماء وساروا عليهما أجيالاً متعاقبةً ودهوراً متطاولةً، مِن جملة شروط أخرى، وبذلك تكون قصيدة النثر بنتاً لقصيدة الشعر الحر التي تخلَّت عن القافية الواحدة وعن نظام الشطرين، وعن عشرة أوزانٍ شعرية من مجموع ستة عشر وزناً ، والتزمت ستة أوزانٍ وهي الأوزان الصافية كما سمَّتها نازك الملائكة في كتابها "قضايا الشعر المعاصر"، غير أنَّ هذه البنتْ ضربتْ ذينك الشرطين الأساسيين عرض الحائط.

    وعندما بزغت شمس الشعر الحر، بسبب ترجمة الشعر الأوروبي إلى العربية وتقليده من قبل الشعراء العرب، بزغ معه سؤال هو: لماذا؟، فجاء الجوابُ إنَّ الشعر على الطريقة القديمة لا يفي بالتعبير عن حاجات الإنسان الجديدة وحضارته الحديثة، فهو شعر تقليدي كلاسيكي قديم، ولم ينجُ هذا الوليد، وأعني الشعر الحر، من مقاومة تشتدُّ وتضعف، حتَّى استطاع أن يفرض نفسه من خلال الأمر الواقع، ومن خلال تشجيع السلطات المدعية للتطوير والتحديث والتقدم، ومن خلال إصرار الشعراء أنفسهم على خوض التجربة إلى نهاية المطاف، ونهاية المطاف هنا تعني اعتراف الأطراف كافةً به ثم شيوعه، وقد ساعدهم على ذلك أنَّ هذا النوع من الشعر لم يتخلَّ عما للشعر العربي جملةً، بل التزم بشيءٍ أصيلٍ منه كما مرَّ قبل قليل.

    لقد استطاع  الجيل الأول والذين جاؤوا بعدهم بقليلٍ  من شعراء القصيدة الحرة أنْ يؤسسوا للقصيدة الحرة وأنْ يهبوها أسباب الصمود في وجه تلك المقاومة وذلك الرفض الشديد من قبل التيار المحافظ الذي لم يخلُ منه مكان ولا زمان،  فقد انطلقوا إلى كتابة القصيدة الحرة مِن  معرفتهم بطريقة كتابة القصيدة المقفاة ومن القدرة على كتابتها أولاً، حيث تدربوا في رحابها على أساليب البلاغة العربية، وعرفوا أصول موسيقى الكلام العربي، وأحسوا بأهمية الوزن وضرورة القافية وكلاهما من  لوازم تلك الموسيقى، ولذلك التزموهما حتى آخر قصيدة كتبها كل منهم، ولا سبيل إلى الاستشهاد بحالات قليلةٍ شاذة، فما حاجتنا إلى القياس على الشذوذ؟. ثم إنَّ النظم على القافية يدعو إلى الغوص في آفاق المفردة العربية والإلمام  بمترادفاتها، والرجوع إلى معاجمها، فتأسست لديهم قدرة لغوية ذات قيمة عالية أغنتْ ما كتبوه من شعر حر، وسهَّلت لهم تناول الجديد من موضوعاته.

   ومن سوء حظ الجيل الثاني والذين جاؤوا بعدهم  أنَّ أغلب شعرائه بدؤوا بالشعر الحر، وأخذوا شأنه على علاّته، مستسلمين لأطروحة الحداثة، ومستسهلين الطريقة في النظم، وراغبين في الوصول إلى مرتبة الشعر بأقصر الطرق وأسرعها، فجاء شعرهم خالياً مما لم يخلُ منه شعرُ الذين سبقوهم، ولكنه لم يخل على عمومه من الإبداع ، بسبب انتباه البعض منهم إلى شَرطَي الوزن والقافية، وقد رضينا من هذا البعض اقتصارهم على وزنَي المتدارك والمتقارب، بل اقتصار بعضهم على وزن واحد فقط هو المتدارك حتى آخر قصيدة دون سواه، ثم رضينا من بعضهم  استخدامهم لشذراتٍ من القافية حتى بدؤوا يستحون من استخدامها فتخلصوا منها!.

   أما آخر الأج

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي